الثلاثاء، 7 مايو، 2013

الاستفهام المجازي في كتاب الصاحبي لابن فارس

الاستفهام المجازي في كتاب (الصاحبي) لابن فارس (ت 395)هـ) ـــ د.منيرة فاعور* غرض البحث:دراسة جهود ابن فارس في تطوير البحث البلاغي من خلال دراسة أحد أكثر هذه الأساليب ثراء في كتابه، وهو أسلوب (الاستفهام)، فقد وجدت في كتابه مجموعة من الأحكام والإشارات المنظمة، التي كان لها ـ في رأيي ـ أثرٌ في تغذية الدرس البلاغي بروافد فياضة من الثراء العلمي، والدقة في التفكير. وسيلة البحث: دراسة مبحث الاستفهام في كتابه، وعرض ما جاء فيه من أسرار بلاغية، أو معان مجازية، ومناقشتها، ومقارنتها ببعض الآراء التي ذُكرت في هذا الموضوع. نتيجة البحث: ثبت أن لابن فارس جهداً واضحاً في دفع عجلة البلاغة العربية إلى الأمام، فقد درس هذا الأسلوب بطريقة عالم البلاغة المعني بدقائقها وتفاصيلها، فأزاح عنه ما كان يكتنفه من توزيع وتفرق لأقسامه ومعانيه، فلمَّ شتاته، ونظم ما كان منه من أفكار متناثرة، ونتف مفرقة، في باب واحد مستقل، كما عمّق كثيراً من المعاني البلاغية التي مر بها سابقوه، وأضاف إليها ما أضاف مما هداه إليه حسه البلاغي، وبصيرته النفاذة في الكشف عما رواء النص من دلالات وإيحاءات. وهذا فضل يجب ألا ينساه لابن فارس من يدرس علوم البلاغة وتاريخها. الاستفهام المجازي عند ابن فارس (ت 395 هـ)([1">) الاستفهام ـ لغة ـ مصدر استفهمت، أي طلبت الفهم، يقول ابن منظور "وأفْهَمَهُ الأمْرَ وفَهَّمَهُ إيَّاهُ: جعله يَفْهَمُهُ، واسْتَفْهَمَهُ: سألهُ أن يُفَهِّمُهُ، وقد اسْتَفْهَمَنِي الشيءَ فأَفْهَمْتُهُ وَفَهَّمْتُهُ وَفَهَّمْتُهُ تَفهيماً"([2">). والاستفهام ـ اصطلاحاً ـ طلب العلم بشيء لم يكن معلوماً من قبل، بإحدى أدوات([3">) الاستفهام. وأسلوب الاستفهام هو أحد الأنواع الخمسة للإنشاء الطلبي، التي هي: الأمر، والنهي، والتمني، والنداء فضلاً عن الاستفهام. والدارس لهذا الأسلوب يدرسه في منظومته الخاصة، وهي الإنشاء الطلبي، ضمن علم المعاني. والاستفهام نوعان: حقيقي يتوخى به صاحبه معرفة ما يجهله، أو مجازي، يكون السائل عالماً فيه بما يسأل عنه، لكنه يقصد فيه معنى من المعاني المجازية التي يفهمها المتلقي من السياق اللغوي عند تأمل النص، وفقهه، وسبر ما يكمن وراءه من معان وأسرار، وهذه المعاني المجازية ثرية ومتنوعة تتسع لشتى ضروب الفكر، ومختلف أحوال المشاعر. الاستفهام عند ابن فارس: أولى ابن فارس أسلوب الاستفهام عناية خاصة، فقد جعله المبحث الثاني من باب (معاني الكلام)([4">)، وأفرد له قسماً خاصاً، عرض فيه لتعريفه، وسبب تسميته، والمعاني البلاغية التي حققها خروج صيغه عن أصل وضعها. يقول: "الاستخبار: طلب خبر ما ليس عند المُسْتَخْبِر، وهو الاستفهام وذكر ناس أن بين الاستخبار والاستفهام أدنى فرق: قالوا: وذلك أن أولى الحالين الاستخبار، لأنك تستخبر فتُجاب بشيء، فربما فهمتَهُ، وربما لم تفهمه، فإذا سألت ثانية فأنت مُسْتفهم، تقول: أفهمني ما قُلتَه لي. قالوا: والدليل على ذلك أن البارئ ـ جل ثناؤه ـ يوصف بالخُبْر ولا يوصف بالفهم"([5">). ويبدو أن ابن فارس في تسمية هذا الأسلوب (استخباراً) يسير إثر ثعلب([6">) (ت 291هـ) الذي ذكر أن قواعد الشعر أربع: أمر ونهي وخبر واستخبار، وإثر ابن قتيبة (ت 276هـ) في كتابه أدب الكاتب([7">)، الذي جعل الكلام فيه أربعة: أمر وخبر واستخبار ورغبة، لكن ابن قتيبة لا يلبث أن يطلق عليه استفهاماً([8">)، شأنه في ذلك شأن الرعيل الأعظم من البلاغيين، وشأن ابن فارس كذلك، الذي، وإن كان قد اختار هذه التسمية، جعلهما بمعنى واحد كما لاحظنا من تعريفه. المعاني المجازية للاستفهام عند ابن فارس: لاحظ ابن فارس أن الاستفهام نوعان: الأول قائم على الأصل اللغوي، يكون "ظاهره موافقاً لباطنه، كسؤال عما لا تعلمه، فتقول: ما عندك؟، ومن رأيت؟"([9">) والآخر: هو الاستفهام المجازي، ويعبر عنه بقوله: "وقد لا يكون كذلك"([10">)، وهو بذلك يشير إلى خروجه عن ذلك الأصل اللغوي إلى معان مجازية، وهذه المعاني كثيرة أطال في استقصائها حتى أوصلها إلى (15) معنى، هي: 1 ـ التعجب أو التفخيم: أدرك ابن فارس أن الاستفهام قد يكون ظاهره استفهاماً، وباطنه تعجب، يقول: "ويكون استخباراً في اللفظ والمعنى تعجب، نحو: )فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ( [الواقعة: 56/8">"([11">). وما ذكره هنا يُعد توجيهاً بلاغياً مجازياً، فالاستفهام لم يرد على حقيقته، وهو طلب الفهم أو الاستفهام عن أصحاب الميمنة؛ بل تجاوز هذا المعنى اللغوي الظاهر لإفادة معنى آخر هو التعجب؛ لأنه من الأمور التي تدعو إلى التعجب، فقد دل على وصفهم بشيء لا يمكن وصفه، ولا يفي به التعبير بعبارة غير ما جاءت عليه، وهذا هو هنا سر جمالية أسلوب الاستفهام وبلاغته أنه ترك للمتلقي الفرصة لأن يتصور صفاتهم، ويتدبر حالهم فيما لو رغب في ذلك. وما ذهب إليه ابن فارس هنا كان الفراء (ت 207هـ) قد أكده عندما قال: "عجَّب نبيّه منهم، فقال: ما أصحاب الميمنة؟ أي شيء هم"([12">). والتعجب ـ بمعناه الاصطلاحي ـ هو "استعظام أمر ظاهر المزية، خافي السبب، وإذا خرج من أسلوب النحو السماعي والقياسي إلى الاستفهام، فإنما يراد به المبالغة في إظهار التعجب"([13">). ولعل هذه المبالغة في إظهار التعجب جعلت ابن فارس يرى أنه قد يسمى الغرض في هذا الشاهد وما يماثله تفخيماً، ويستدل عليه بقوله تعالى: )ماذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ( [يونس: 10/50">([14">). وهذه الآية ذكرها الفراء، فرأى أن الاستفهام يحتمل معنيين؛ الأول على جهة التعجب؛ كقوله: ويلهم ماذا أرادوا باستعجال العذاب؟: والآخر: التعظيم؛ أي تعظيم أمر العذاب([15">). أما الزمخشري (ت 538 هـ) فلم ير فيها إلا معنى التعجب؛ "كأنه قيل: أي شيء هول شديد يستعجلون فيه"([16">). وجمع أبو حيان (ت 745 هـ) بين التعجب والتهويل؛ بقوله: "ما أشد وأهول ما تستعجلون من العذاب"([17">). ويبدو أن ابن فارس سعى إلى أن يحيط بدقائق المعاني التي أفادها الاستفهام بمعونة السياق، فرأى أن التعجب هنا قد يسمى تفخيماً. ورأيه هذا يحتمل أمرين؛ الأول: أنه حاول ألاَّ يجمع بين غرضين معاً في هذا الشاهد؛ إذ كان في إمكانه أن يفعل كما فعل أبو حيان عندما جمع بين غرضي التعجب والتهويل، أن يجمع هنا بين التعجب والتفخيم. ولا يعني هذا أن نقلل من جهد ابن فارس لأن العلماء أحياناً يختلفون في رصد المعنى البلاغي الدقيق، فضلاً عن أنه كثيراً ما يُجمع بين التعظيم والتفخيم، فكلاهما بمعنى واحد، وهو الإجلال والإكبار والتقدير([18">). والأمر الثاني: أنه يقصدُ هنا بالتعجب (التفخيم)؛ لأننا نراه فيما بعد قد أفرد له غرضاً مستقلاً([19">). 2 ـ التوبيخ: وتنبه ابن فارس أيضاً إلى أن الاستفهام في قوله تعالى: )أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ( [الأحقاف: 46/20"> لم يكن استفهاماً محضاً، بل هو "استخبار والمعنى توبيخ"،ثم يستدل عليه بقول الشاعر: أغَرَرْتني وزَعمت أنَّـ ك لابنٌ بالصيف تَامِرْ([20">) فمعنى التوبيخ واضح في الشاهدين، فهو يفيد أن ما بعد الاستفهام واقع، وأن من يقوم به يستحق التقريع واللوم والتوبيخ. وهذا المعنى ذكره الفراء عندما شرح الآية قائلاً: "العرب تستفهم بالتوبيخ ولا تستفهم"([21">)، وأشار إليه أبو حيان، لكن بعد أن جمع بين التوبيخ والتقرير([22">). ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن العلماء ـ فيما بعد ـ توسعوا في دراسة استفهام التوبيخ، فجعله بعضهم من قبيل "الإنكار، بمعنى ما كان ينبغي أن يكون، أو بمعنى لا ينبغي أن يكون، والغرضُ من ذلك تنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه، فيخجل أو يرتدع عن فِعل ما هَمّ به، أو للتكذيب بمعنى لم يكن، أو لا يكون… ثم يشترطون له أن يلي المنكر الهمزةُ"([23">). 3 ـ التفجع: ويشير إلى غرض (التفجع) بقوله: "ويكون اللفظ استخباراً، والمعنى تفجع: نحو: )مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيْرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا( [الكهف: 18/49">([24">)". والتفجع ـ كما يقول ابن منظور ـ في فجع. والفجيعة: الرزية الموجعة بما يَكْرم، وفجعته المصيبة: أي أوجعته([25">). وغرض (التفجع) كما يُفهم من استنتاج ابن فارس، هو بالنظر إلى حال الكافرين، لا بالنظر إلى حال المؤمنين، لأن ثمة بوناً شاسعاً بين الحالتين؛ فالفئة الأولى ترى فيه نوعاً من الفاجعة أو الكارثة في كونه قادراً على إحصاء كل صغيرة وكبيرة، ولهذا كان غرض الاستفهام عند من اعتنق هذا الرأي كشيخنا ابن فارس، والزركشي([26">) من بعده، هو (التفجع). ولكن ثمة فئة أخرى نظرت إلى الكتاب من وجهة أخرى، هي وجهة تتعلق بحال الكتاب وعظمته وإعجازه في أن له تلك القدرة الخارقة على إحصاء كل صغيرة وكبيرة، فكان استفهامهم عنه يتجاوز تلك النظرة السطحية لمعنى الاستفهام، ليفيد معاني أخرى، هذه المعاني عند السيوطي (التفخيم)([27">)، وعند أبي حيان وأبي السعود (ت 951هـ) (التعجب)([28">)، وهناك من جمع بين معظم هذه الأغراض وزاد عليها فرأى فيها: إنكاراً وتعجباً وتفجعاً، وعلل ذلك بقوله: "الاستفهام يتضمن تعجباً من كتّاب الأعمال الذين هالهم أمره، حيث جاء محصياً كل أعمالهم صغيرها وكبيرها، فهو تعجب يفيد التهويل من أمر كان يُظن أنه لن يأتي على هذه الصورة، فلما جاء لم يكن مفر من الإقرار بالأمر إشفاقاً على أنفسهم، وتحسراً لما سيلحقهم ـ وهو مع ذلك ـ يتضمن نوعاً من الإنكار، وعلة الإنكار تتصل بمجيء الكتاب محصياً كل صغيرة وكبيرة في مقام البعث والحساب الذي كان هؤلاء الكفار ينكرونه، ويظنون عدم مجيئه بعامة وفي هذه الحال بخاصة، فالإنكار يتعلق بأمر حدث ولم يكن متوقعاً أيضاً، ويصل إشفاق الكافرين وتحسرهم إلى مستوى الفجيعة، ويرتبط ذلك بقوله تعالى: )فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ( الكهف 18/49، وبقوله: )لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا( الكهف 18/49، ولو كان الاستفهام على لسان المؤمنين لكان له دلالة أخرى؛ فمتعلقات الجملة توجه الدلالة وتضبطها وتقيدها"([29">). 4 ـ التبكيت: ويدل على خروج الاستفهام عن أصل وضعه إلى معنى (التبكيت) بقوله: "ويكون استخباراً، والمعنى تبكيت نحو: )أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ( [المائدة: 5/116">، تبكيت للنصارى فيما ادعوه"([30">). وابن فارس بإفراده لهذا الغرض، يُفهم منه أنه يُفرق بين التبكيت والتوبيخ، وهو بهذا محق؛ لأن المعنى اللغوي للتبكيت، وإن أفاد ما أفاد التوبيخ: التقريع والتعنيف، غير أن التبكيت يُفهم منه الحِجاج، يقول ابن منظور: "وبكته بالحجة، أي غلبه"([31">)، و"لعل التبكيت أعلى درجة من التوبيخ، فهو توبيخ، وتقريع وتعنيف واستنكار"([32">). وما ذهب إليه ابن فارس من أن الاستفهام أفاد التبكيت وافقه عليه الزركشي([33">)، ونقل عنه هذا الشاهد، لكن ثمة علماء غيرهما ذهبوا مذهباً مغايراً، فرأى أبو عبيدة أنه من "باب التفهيم، وليس باستفهام عن جهل ليعلمه...، وإنما يراد به النهي عن ذلك، ويتهدد به" ثم ساق أمثلة اختلطت فيه معاني التهديد بالتقرير([34">). قال القرطبي (ت 671 هـ) إنّه "توبيخ لمن ادعى ذلك عليه، ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ من التكذيب، وأشد في التوبيخ والتقريع"([35">). أما المرادي فذهب إلى أنه للتقرير([36">). وهكذا نلحظ أن الآراء تتباين، لكن يبقى لرأي ابن فارس بعد دقيق؛ ذلك لأنه أدرك أن الاستفهام وإن كان موجهاً إلى سيدنا عيسى عليه السلام، إلا أنه لا يعنيه؛ لأنه ـ عز شأنه ـ يعلم أن هذا القول لم يقع منه، بدليل قوله عليه السلام: )سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ( [المائدة: 5/116">، كما أن النصارى يعلمون أنه لم يقله، لكنه أراد من هذا الاستفهام أن يكون تبكياً لهم، ليعلموا أنهم المراد بذلك. وثمة مسألة بلاغية تؤكد أن ما ذهب إليه ابن فارس من أن الاستفهام أفاد تبكيتاً، ولم يكن استفهاماً محضاً، أو نهياً أو تفهيماً كما قال أبو عبيدة، أو تقريراً كما ذهب المرادي هي أن "إيلاء الاستفهام الاسم، ومجيء الفعل بعده دلالة على صدور الفعل في الوجود، لكن وقع الاستفهام عن النسبة، سواء أكان هذا الفعل الواقع صادراً عن المخاطب أم ليس بصادر عنه، وفي هذا يقول عبد القاهر: "إذا بدأت بالفعل، فقلت: (أفعلت؟) كان الشك في الفعل نفسه، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده. وإذا قلت (أأنت فعلت؟) فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل من هو؟، وكان التردد فيه... ومثال ذلك أنك تقول: (أبنيت الدارَ التي كنت على أن تبنيها؟)... وتقول: أأنت بنيتَ هذه الدار؟)، فتبدأ في ذلك كله بالاسم، وذلك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان. كيف؟ وقد أشرت إلى الدار مبنية، وإنما شككت في الفاعل من هو؟ فهذا من الفرق لا يدفعه دافع، ولا يشك فيه شاك، ولا يخفى فساد أحدهما من موضع الآخر"([37">). 5 ـ التقرير: ويشير إلى خروج الاستفهام عن أصل وضعه إلى غرض التقرير بقوله: "ويكون استخباراً، والمعنى تقرير، نحو قوله جل ثناؤه: )أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ( [الأعراف: 7/172">"([38">). وابن فارس بهذا فهم المعنى المجازي للاستفهام، بأنه ليس استفهاماً محضاً؛ لأن الآية الكريمة لم تستفهم: أربهم هو أم لا، والله سبحانه وتعالى لا يريد جواباً؛ بل يريد أن يقر أمراً ثبت العلم به، وبذلك ينتزع اعترافاً منهم. و(التقرير) ـ كما يعرفه العلماء ـ هو "حملك المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده"([39">) نفياً أو إيجاباً؛ لأنه أوقع في النفس، وأدل على الإلزام، وهو "كالإنكار، يُشترط أن يلي المنكر الهمزةُ"([40">) وقد استقر لديهم أنه هو ربهم، لكن مثل هذا الاستفهام يقال في تقرير من يُظن به الإنكار، أو ينزل منزلة ذلك. ومما يُذكر لابن فارس هنا أنه أحسن التدليل على هذا الغرض بالاستشهاد عليه بهذا الشاهد، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنه كان يعي مفهوم (التقرير)؛ لأن ثمة قاعدة بلاغية تقول إن الهمزة ـ في الغالب ـ أو إحدى أدوات الاستفهام إذا ما دخلت على نفي، فإنه لا يراد بها معنى النفي؛ بل يراد تقرير ما بعده، وهنا الهمزة دخلت على النفي بقوله: (لست)، فأصبحت (ألست)، وهذا كله يؤكد مدى فهم ابن فارس لدقائق هذا الأسلوب وتفاصيله. 6 ـ التسوية: ويُعبر عن غرض التسوية بقوله: "ويكون استخباراً، والمعنى تسويةٌ، نحو: )سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ( [البقرة: 2/6">"([41">). وهذا يعني أن ابن فارس تحسس بذوقه الفني أن وراء الاستفهام يكمن غرضٌ آخر هو التسوية، وحقيقة التسوية هنا هي أن الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إليهم. واستفهام (التسوية) ـ كما يعبر عنه العلماء ـ: هو الاستفهام الداخل على جملة يصح حلول المصدر محلها([42">). وما ذهب إليه ابن فارس هنا يؤكد دقة وعيه لمفهوم هذا الأسلوب، كما يشير إلى مدى تجاوزه من سبقه من العلماء. فأبو عبيدة ـ مثلاً ـ نقل ضمن ما نقل هذا الشاهد، لكنه رأى فيه استفهاماً للإخبار([43">). كما أن عالماً مثل الفراء لم يعرض في أثناء تفسيره لهذا النوع من الاستفهام المجازي، وأغفل الحديث عنه كذلك ابن قتيبة([44">)، في القسم الذي أفرده لدراسة الاستفهام. ومما يؤكد صحة ما ذهب إليه ابن فارس أن الآراء من بعده جاءت لتفيد ما أفاده من أن الغرض البلاغي لهذا الاستفهام هو التسوية([45">). لكن، مما يجدر الإشارة إليه هنا أن ابن فارس وجه اهتمامه لرصد المعنى البلاغي لهذا النوع من الاستفهام، دون أن يبذل أي جهد في الإشارة إلى مسائل التسوية ودقائقها، فعلى حين نجد أن عالماً في زمن مبكر كسيبويه([46">)، وغيره ممن جاء بعده من العلماء([47">) قد تناولوا هذه المسائل، فأشاروا إلى دخول (أم) المعادلة لهمزة التسوية؛ لأنها تعادلها في هذا المعنى، وهو استواء علم السائل في طرفي التسوية، لا يدري أيهما هو، واشترطوا في (أم) هذه أن تُسبق بما يدل على التسوية لفظاً ومعنى، مثل: سواء، ويستوي، وسيان، أو معنى فحسب، مثل: ليت شعري، ولا أدري، وما أبالي... وما أشبه ذلك. ولا يعني هذا أن نقلل من جهد ابن فارس، أو من قيمة ما ذهب إليه، فقد لاحظنا ـ ومنذ مطلع مبحثه في الاستفهام ـ أنه وجه اهتمامه لدراسة ما وراء الاستفهام من أغراض وأسرار بلاغية، دون أن يتجاوز ذلك إلا في أمور محددة كما سنشير إليها لاحقاً([48">). 7 ـ الاسترشاد: ويشير إلى غرض الاسترشاد بقوله: "ويكون استخباراً، والمعنى استرشاد، نحو: )أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا( [البقرة: 2/30">"([49">). وابن فارس ـ هنا ـ لا يوضح معنى الاسترشاد، ولا يشرح الآية بما يُفهم منه هذا المعنى، ولعله كان يقصد به الاستعلام الذي يكتنفه شيء من طلب الرشد والهداية، وهذا ما يشير إليه المعنى اللغوي، لأنه يقال في اللغة: "استرشده: طلب منه الرشد، ويقال: استَرْشَد فلان لأمره إذا اهتدى له وفي الحديث: وإرشادُ الضال: أي هدايته الطريق وتعريفه"([50">). كما أن عالماً مثل الزركشي حاول فيما بعد أن يفرق بين الاستفهام والاسترشاد، فرأى فيه نوعاً من الأدب في مخاطبة الله عز وجل، يقول: "الظاهر أنهم استفهموا مسترشدين، وإنما فرّق بين العبارتين أدباً"([51">). ويشرح ابن عطية هذا المعنى أكثر عندما ينقل رأي من قال بالاسترشاد، يقول: "وقال آخرون كان الله تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرض خلقاً يفسدون ويسفكون الدماء، فلما قال لهم بعد ذلك [إني جاعل"> قالوا: [أتجعل فيها"> على جهة الاسترشاد والاستعلام: هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به قبل أو غيره؟"([52">). وعلى هذا المعنى يكون رأي ابن فارس صائباً في توجيه الاستفهام وجهة الاسترشاد. وهذه الآية ذكرها كثير من العلماء، لكن آراءهم جاءت متباينة، فذهب أبو عبيدة إلى أنها للتقرير([53">)، وأفادت عند الزمخشري وأبي حيان معنى التعجب([54">)، ونقل أبو حيان وابن عطية آراء كثيرة كان الغرض فيها الاستعظام والإكبار، أو التقرير، أو الاستفهام المحض([55">). 8 ـ الإنكار: ويعبر عن معنى الإنكار بقوله: "ويكون استخباراً، والمعنى إنكار، نحو: )أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ( [الأعراف: 7/28"> ومنه قول القائل: وتقول عَزَّةُ: قد مَلَلْتَ فقُلْ لها: أيَمَلُّ شَيءٌ نفسَه فَأمَلَّهَا؟([56">) فابن فارس أدرك أن صيغة الاستفهام في الشاهدين خرجت عن أصل حدود الدلالة الوضعية لإفادة الإنكار، لأن "الإنكار: الجحود، وهو الاستفهام عما يُنْكِرهُ، والاسْتِنْكارُ: استفهامك أمراً تُنْكِرهُ"([57">)، ومعنى الإنكار هنا أن الله سبحانه وتعالى يستهجن أو ينكر على الكافرين فعلهم في الكذب عليه، فينسبون إليه القبيح دون علم أو نظر صحيح، كما أن الشاعر ينكر على عزة قولها بأن الملل قد تسرب إليه، فيخاطبها منكراً ما تدعيه عليه. وما ذهب إليه ابن فارس في الآية وافقه عليه الزمخشري([58">) وكذلك فعل أبو حيان الذي علل سر الإنكار بأنه "لإضافتهم القبيح إليه، وشهادة على أن مبنى أمرهم على الجهل المفرط"([59">). والعلماء ـ مع كل هذا ـ لا يبينون الأسرار والفوائد البلاغية من الاستفهام الدال على الإنكار؟ فعبد القاهر الجرجاني بنظره الثاقب، وحسه الجمالي، وبصيرته الواعية يفتح الباب واسعاً للخوض فيما وراء هذه الأغراض، ليؤكد أنه يأتي "لتنبيه السامع، حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع ويعيا الجواب، إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه،… وإما لأنه همَّ بأن يفعل ما لا يُستصوب فعلُه، فإذا روجع فيه تنبه وعرف الخطأ، وإما لأنه جوّز وجود أمر لا يوجد مثله"([60">). والإنكار عرض له العلماء عند دراستهم لأسلوب الاستفهام وتوسعوا بدراسة أشكاله وأقسامه، وذكروا أنه يرد إما للتوبيخ بمعنى ما كان ينبغي، أو بمعنى لا ينبغي أن يكون، وإما للتكذيب بمعنى لم يكن([61">). وهناك من قسمه إلى إنكار إبطالي وحقيقي([62">)، واشترطوا له أن يلي المُنكر الهمزة([63">). وهكذا نرى أن ابن فارس نجح في استخلاص المعنى البلاغي لصيغة الاستفهام في هذا الشاهد، ففتح الباب واسعاً لمن جاء بعده ليخوض في أقسام الإنكار وفروعه. 9 + 10 ـ العرض والتحضيض: ويشير إلى هذين الغرضين بقوله: "ويكون اللفظ استخباراً، والمعنى عرض، كقولك: ألا تنزل؟ ويكون استخباراً، والمعنى تحضيض نحو قولك: هلاَّ خيرا من ذلك؟ و: بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا([64">) وابن فارس هنا لا يفرق بين المصطلحين: العرض والتحضيض، فالأول هو "الطلب برفق، والثاني بِشق"([65">). ويبدو أن ابن فارس نظر إلى أصل هاتين الأداتين، فرأى أنهما بمعنى (هل)، لأن (ألا) يحتمل أن يكون أصلها (هلا) فأبدلت الهاء همزة، وبهذا التركيب امتد نظر العلماء فتبينوا "تعين معنى التمني، وزوال احتمال الاستفهام في هل، فتولد من التمني التنديم في الماضي، نحو: هلا أكرمت زيداً، فكأن المعنى ليتك أكرمت زيداً، والتحضيض في المضارع نحو: هلا تكرم زيداً، فكأن المعنى: ليتك تكرمه متولداً منه معنى السؤال"([66">). 11 ـ الإفهام: ويشير إلى معنى الإفهام بقوله: "ويكون استخباراً والمراد به الإفهام نحو قوله جل ثناؤه: )وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ( [طه: 20/17">، ثم لا يلبث أن يشرح المقصود من الإفهام بقوله: "قد علم أن لها أمراً قد خفي على موسى ـ عليه السلام ـ فأعلمه من حالها ما لم يعلمه"([67">). ولعل ابن فارس يقصد أن ظاهر الاستفهام يدل على أنه سؤال عن شيء أشير إليه، وهو أمر معلوم عند سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ فهو عالم أن الذي في يده عصا، فما وجه استخبار الله سيدنا موسى عليه السلام عما في يده؟ أليس ثمة إيماء إلى أن السؤال سيتضمن أمراً غريباً في شأنها؟ فمن رأي ابن فارس أنه أراد من الاستفهام إفهامه أن ما بيده عصا، وأن ثمة أمراً خَفِيَ على سيدنا موسى سيحدث، وهو انقلاب العصاب حية؛ فلذلك ابتدئ بسؤال عما بيده ليوقن أنه ممسك بعصاه، حتى إذا انقلبت حية لم يشك في أن تلك الحية هي التي كانت عصاه، وبذلك يكون غرض الإفهام دقيقاً من وجهة نظر ابن فارس. لكن كثيراً من العلماء ذهبوا وجهة أخرى، فرأى بعضهم أن الغرض هو التنبيه([68">)، وجمع أبو السعود بين الإيقاظ والتنبيه([69">)، وذكر ابن قتيبة أنه للتقرير([70">)، وشرح القرطبي معنى التقرير بقوله: "إنه لتقرير الأمر، حتى يقول موسى: هي عصاي، يثبت الحجة عليه بعدما اعترف"([71">) وجمع أبو حيان([72">) بين التقرير والتنبيه، فقال: هو تقرير مضمونه التنبيه، وذهب الزركشي والسيوطي([73">): إلى أنه للإيناس، ثم نقل الزركشي رأي ابن فارس في أنه للإفهام، لكنه لم يلبث أن استطرد بأنها "للتقرير؛ فيعرف ما في يده حتى لا ينفر إذا انقلبت حية"([74">). 12 ـ التكثير: ومما ذكره ابن فارس من المعاني المجازية للاستفهام معنى "التكثير"، يقول: "ويكون استخباراً، والمعنى تكثير، نحو قوله ـ جل ثناؤه ـ )وَكَمْ مِّن قَرْيَةِ أَهْلَكْنَاهَا( [الأعراف 7/4">"([75">) ثم يسرد أمثلة أخرى شواهد على هذا المعنى دون بذل محاولة لتفسيرها، وكأن همه كلّه منصب على توجيه الاستفهام توجيهاً مجازياً يكشف عما وراءه من معان وأسرار والأمثلة التي ذكرها، هي قوله تعالى: ")وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ( [الحج: 22/48">([76">) ومثله: كَمْ من دَنيّ لها قَدْ صِرْتُ أتْبَعُهُ ولو صَحا القلبُ عنها كانَ لي تَبَعا وقال آخر: وكَمْ مِن غَائِطٍ مِنْ دون سَلْمَى قليلِ الأُنْسِ ليس به كَتِيعُ([77">)" فكل ما ساقه ابن فارس من هذه الشواهد يشير إلى إدراكه خروج الاستفهام عن أصل وضعه إلى غرض التكثير، وهذا ما ذكره العلماء فيما بعد وتناولوه في كتبهم([78">)، لكن مما ينبغي التنبيه عليه أن عالمين بلاغيين مثل السكاكي والخطيب القزويني لم يعرضا لهذا الغرض، ولم يتناولاه ضمن دراساتهما لأسلوب الاستفهام([79">). 13 ـ النفي: ويتحدث عن استعمال صيغة الاستفهام بمعنى النفي، فيسوق ثلاثة شواهد: الشاهد الأول: وهو قولـه تعالى: )فَمَن يَهْدِي مضنْ أَضَلَّ اللهُ( [الروم: 30/29">، يقول: فظاهره استخبار والمعنى: لا هاديَ لمن أضل الله"([80">)، ولا يكتفي بتفسير الاستفهام بمعنى النفي، بل يسوق دليلاً آخر يظهر فيه حسه الفني في استخلاص المراد من ظاهر الكلام، يقول: "والدليل على ذلك قوله في العطف عليه: )وَمَا لَهُم مِّن نَاصِرِينَ( [الروم 30/29">"([81">). وهكذا نرى أن ابن فارس لم يقف عند حدود الإفادة من السياق الذي دل على أن المعنى هو النفي، بل ساق دليلاً نحوياً على صحة ما ذهب إليه هو العطف عليها بالمنفي، وهذا يؤكد أنه صاحب حس بلاغي اجتمعت فيه النظرية مع التطبيق. فضلاً عن ذلك فإننا نرى بعض العلماء من بعده قد ذهبوا مذهبه، عندما ذكروا أن الاستفهام قد حقق معنى النفي([82">). الشاهد الثاني: هو قول الفرزدق: أيْنَ الذين بهم تُسَامي دارِماً أمْ مَن إلى سَلَفَيْ طُهَيَّهَ تَجْعَلُ([83">) والاستفهام أفاد النفي، لكن ابن فارس لا يشير إلى دليله على معنى النفي، كما فعل في الشاهد السابق، إذ قد تبين أن في السياق ما يدل على ذلك، وهو كون المستفهم عنه من الأساليب التي أفادت التحدي أو التهكم، على معنى ليس لهم مما ذكر شيء. الشاهد الثالث: هو قوله تعالى: )أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ( [الزمر: 39/ 19">، يقول مشيراً إلى معنى النفي: "أي لست منقذهم"([84">). وما ذهب إليه ابن فارس وافقه عليه أبو حيان الذي أسماه استفهام توقيف، لكنه عندما شرح الآية أشار إلى معنى النفي بقوله: "وقدّم منه الضمير إشعاراً بأنك لست تقدر أن تنقذه من النار، بل لا يقدر على ذلك أحد إلا الله"([85">)، أما الزمخشري فقد جعل الهمزة للإنكار([86">). وهذا الإنكار قد يكون أحد أدلة النفي التي دلت عليها الأساليب الاستفهامية؛ لأن الأسلوب الذي يتضمن معنى الإنكار التكذيبي يكون من أدلة الاستفهام الذي أفاد النفي. 14 ـ الإخبار والتحقيق: ومما عرض له ابن فارس من خروج الاستفهام عن أصل وضعه هو (الإخبار والتحقيق)، يقول: "وقد يكون اللفظ استخباراً، والمعنى إخبار وتحقيق، نحو قوله جل ثناؤه: )هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ( [الإنسان 76/1">. قالوا: معناه([87">): قد أتى؟([88">)". وابن فارس يتفق بذلك مع الرعيل الأعظم من العلماء([89">) الذين عرضوا لهذه المسألة. وقد أحسن ابن فارس بالجمع بين العرضين (الإخبار والتحقيق)، فالإخبار هو "الإعلام بالشيء، ويستعمل لإثبات أمر ما، لذا ارتبط بالتحقيق في أسلوب الاستفهام؛ لأنه يتجه إلى اطلاع السامع، أو تثبيت خبر لديه، أو أنه يرمي إلى كليهما"([90">). وهو هنا في هذا الشاهد يقصد إلى الأمرين معاً. 15 ـ التعجب: ويشير إلى خروج الاستفهام عن معناه الأصلي إلى معنى التعجب بقوله: "ويكون بلفظ الاستخبار والمعنى تعجب، كقوله جل ثناؤه: )عَمَّ يَتَسَاءلُونَ( [النبأ: 78/1"> و)لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ( [المرسلات: 27/12">"([91">). وما ذهب إليه ابن فارس من إفادة الاستفهام معنى التعجب، جاءت آراء العلماء من بعده موافقة لرأيه أو مقاربة له، يقول الزمخشري في الآية الأولى: هي لتفخيم الشأن([92">)، ويرى في الآية الثانية اجتماع غرضين هما: "تعظيم اليوم وتعجيب من هوله"([93">). أما أبو حيان فقد رأى في الآية الأولى اجتماع أربعة أغراض هي: التفخيم والتهويل والتقرير والتعجيب([94">)، وذهب في الآية الثانية مذهب الزمخشري من أنها تعظيم لذلك اليوم، وتعجيب لما يقع فيه من الهول والشدة([95">). وهكذا نرى أن الآراء تتفق أحياناً، وتتغاير أحياناً أخرى لكن ـ ومع هذا ـ يبقى غرض التعجب هو الغالب في كل ما ذكر، فإليه يشير السياق، والمعنى يطلبه؛ لأن من ضمن معاني التعجب ـ لغوياً ـ أنه إنكار ما يرد عليه لقلة اعتياده([96">)، ولأنه كذلك قليل الاعتياد فهو يوحي بالتعجب أولاً، وبمعانٍ أخرى قد تشترك معه مثل: التهويل والتفخيم… وغير ذلك، وهذا يعني أن معظم ما ذكر من آراء لم يجانب أصحابها فيها الحقيقة. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإنه يؤكد مدى دقة ابن فارس في استقراء السياق وما ينضوي خلفه من فوائد وأسرار بلاغية. ولكن ـ ومع هذا ـ لنتريث قليلاً في الحكم لابن فارس؛ لأن نظرة دقيقة على ما ورد عند ابن قتيبة تؤكد أن ما ذكره ابن فارس منقول بنصه وأمثلته عنه([97">). ولا يعني هذا أن نقلل من جهد ابن فارس، وذلك لأمرين، الأول: أنه الموضع الوحيد الذي نقله عنه في دراسة الاستفهام، والأمر الآخر: أنه لم يُسلم له بكل ما ذكر، بدليل أنه خالفه في بعض القضايا التي عرض لها، كما أنه تجاوزه عندما توسع في تناول هذه الأسرار البلاغية، كما سنبين لاحقاً([98">). ـ الاستفهام المجازي بين ابن فارس وأبرز السابقين واللاحقين له من العلماء: إن مما لا شك فيه أن جميع الباحثين والمفسرين للقرآن في تلك الحقبة المتقدمة وقفوا عند خروج الاستفهام عن معناه الوضعي إلى معان بلاغية، لكن هذا الوقوف جاء متفاوتاً متبايناً، فنظرة فاحصة على من سبق ابن فارس تظهر لنا أنه قد وعى بحق جهد من سبقه من العلماء فأفاد منه ما أفاد، وأضاف إليه ما أضاف مما جادت به بصيرته الواعية، وذوقه الفني في قراءة النص، وما وراء النص من معان وأغراض. فعلى سبيل المثال تحدث سيبويه (ت 180 هـ) عن الاستفهام، فنثر آراءه فيه في أكثر من موضع([99">) وكانت لـه وقفات خاصة بيَّن فيها المعاني المجازية للاستفهام، فذكر منها: التنبيه، والتعجب، والتوبيخ، والتقرير، والتسوية([100">). كما أن الفراء (ت 207هـ) تناول بعض أشكال الاستفهام المجازي فذكر منها: الإخبار، والتعظيم، والتعجب، والتوبيخ([101">). وأبو عبيدة (ت 208 هـ) كان مدركاً التغير في مدلول الاستفهام وخروجه عن أصل وضعه إلى أغراض بلاغية، ذكر منها: الإخبار والتقرير، والتوعد، والنفي، والتهديد، والاستفهام بـ (هل) الذي أفاد معنى قد([102">). لكن مما يؤخذ عليه أنه أحياناً لم يكن دقيقاً في فهم المعنى المجازي للاستفهام، وخير دليل على ذلك ما أشرنا إليه من أن قوله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ( [البقرة 2/6"> هو استفهام بمعنى الإخبار، وقد بينا رأي ابن فارس ونقلنا آراء العلماء فيه([103">). فضلاً عن ذلك فإن المعاني البلاغية للاستفهام قد تتداخل لديه، فيصعب على القارئ أن يتبين توجيهه المجازي للشاهد([104">). وإذا ما وصلنا إلى الجاحظ (ت 255 هـ) فإننا سنلمس غياب أسلوب الاستفهام عن اهتمامه([105">). لكن ما إن نصل إلى ابن قتيبة (ت 276 هـ) حتى نرى أن دراسة هذا الأسلوب قد اتخذت منحى مغايراً لما سبق، إذ طرأ على دراسته شيء من التطور، تمثل في تنظيم المادة وتبويبها، ضمن أبواب مستقلة، ولكن، ومع كل هذا الجهد الذي بذله، نرى أنه لم يوفّ هذا الأسلوب حقه، إذ جعله من ناحية ضمن مبحث الخروج على مقتضى الظاهر([106">)، ومن ناحية أخرى اكتفى بالإشارة إلى ثلاثة أغراض بلاغية هي: التقرير، والتعجب، والتوبيخ([107">). وقد كنا بينا أن([108">) ابن فارس أفاد من أستاذه ابن قتيبة، فنقل عنه كل شواهده في غرض التعجب، لكن مع هذا النقل، فإنه لم يسلم له بكل ما ذكر؛ بل خالفه في أمور أخرى كنا قد أشرنا إليها في موضعها، مما يؤكد استيعاب ابن فارس لدقائق هذا الأسلوب وتفاصيله إلى حد أنه تجاوز أستاذه. ونثر محمد بن يزيد المبرد (ت 285 هـ) كثيراً من مسائل الاستفهام في كتابيه الكامل والمقتضب، وعرض لبعض الأغراض البلاغية، فذكر منها: التقرير، والتوبيخ، والتسوية([109">)، لكنّ الباحث في دراسة جهوده يحتاج ـ كما هي الحال عند من تقدمه أمثال: سيبويه، والفراء، وأبي عبيدة ـ أن يلم شتات هذه الموضوعات حتى يكّون فكرة دقيقة عنها، وعما طرأ عليها من تطوير. وعرض ثعلب (ت 291 هـ) في كتابه (قواعد الشعر) لأسلوب الاستفهام فجعله القاعدة الرابعة من قواعد الشعر، التي هي: الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار. وكنا نتوقع من ثعلب، وبعد كل هذه المراحل التي مر بها هذا الأسلوب، وبعد أن أفرد له مبحثاً مستقلاً أن يسهم فيه بنصيب مثمر، لكن ما حدث هو النقيض من ذلك، إذ لم يقف عند حد الاكتفاء بشاهد واحد له([110">)، بل لم يسعَ لأن يشفعه بأي نوع من الدرس أو التحليل. وبذلك نقول مطمئنين: إن دراسة هذا الأسلوب لم تتطور أبداً على يدي ثعلب. وبعد ذلك اتجه التصنيف اتجاهاً جديداً فيه نوع من التخصص، إذ ألَّف ابن المعتز (ت 296 هـ) كتابه (البديع)، وقدامة بن جعفر (ت 337 هـ) كتابه (نقد الشعر) تناولا فيهما كثيراً من موضوعات البلاغة، إلا أن غياب أسلوب الاستفهام كان واضحاً في كتابيهما. وتحدث ابن خالويه (ت 370 هـ)([111">) عنه، فحصر كل أغراضه بستة أغراض هي: التوبيخ، والتقرير، والتعجب، والتسوية، والإيجاب، والأمر ثم استدل على كل نوع بشاهد من القرآن. وقد يكون أسلوب الاستفهام حاضراً في أحد المصنفات، لكن حضوره عابر غير مقصود لذاته، وهذا ما نلاحظه في كتاب الرماني (ت 386هـ)، (النكت في إعجاز القرآن)، فقد مر مروراً سريعاً بأسلوب الاستفهام، عندما عرض لبعض أمثلته في باب (البيان)([112">)، مكتفياً بالتلميح إلى بعض معانيه مثل: التقريع، والتحسير والتبعيد([113">). ويتحدث ابن جني (ت 392 هـ) في مواضع شتى من كتابيه (الخصائص والمحتسب) عن الاستفهام، فينثر فيهما كثيراً من الآراء المهمة المفيدة، مما يمكن أن يدخل في صميم البلاغة، ويناقش بعض القضايا([114">) مناقشة العالم البارع الذي يغلب عليه طابع التحليل والتفسير والتعليل، وهو في كل ذلك لا يغفل عن تأكيد قاعدة بلاغية، هي أن الاستفهام لا يراد به دائماً صريح الاستفهام؛ بل يقصد به مغزى آخر، ولذلك عرض لهذه المقاصد، فذكر منها: الإنكار، والنفي، والتوبيخ، والتقبيح، والتهكم([115">)، وذكر في الخصائص: الإخبار، والتقرير، والوعظ، والتبكيت([116">) وغيرها، ولكن مع هذا تبقى دراسة هذا الأسلوب غير مقصودة لذاتها، فلم يفرد لها مبحثاً مستقلاً يجمع شتاتها، ويلم كل ما توزع فيها من آراء هنا وهناك. وبعد ابن جني بدا هذا الأسلوب يراوح مكانه، فلم يطرأ عليه أي جديد يذكر، فها هو أبو هلال العسكري (ت 395 هـ) يؤلف كتابه (الصناعتين)، ويبحث فيه موضوعات مستقلة كثيرة في البلاغة، إلا أنه لم يتوقف أبداً عند هذا الأسلوب. وجَلَّ ما ذكره هو الإشارة إليه إشارة عابرة في (باب الخبر والوصف في صورة الاستفهام)([117">). وإذا ما امتد بنا النظر لدراسة ما طرأ على هذا الأسلوب من تطورات بعد ابن فارس فسنرى أن عبد القاهر([118">) (ت 471 هـ) بذل عناية واضحة في دراسته، وكانت لـه نظرته الفاحصة الدقيقة في الحديث عن بعض أدوات الاستفهام، كالهمزة، مثلاً، وما يليها إن كان فعلاً أو اسماً والفروق بينهما، ومما يذكر له أنه كان دائماً ينبه على الفوائد البلاغية التي حققها هذا الأسلوب، لكنه مع كل هذا الجهد الذي بذله لم يفرد له مبحثاً مستقلاً، بل درسه ضمن أسلوب التقديم والتأخير. ونصل إلى السكاكي (ت 626 هـ) فنراه يتحدث حديثاً مفصلاً عن أسلوب الاستفهام، فيفرد له مبحثاً مستقلاً، ويجعله القانون الثاني من قانوني الطلب،ويتحدث عن أدواته ومعانيها، ويشير إلى المعاني المجازية فيذكر منها: الاستخفاف، والتحقير، والتعجب والتعجيب، والاستبطاء، والإنكار، والتهديد، و التوبيخ، والتنبيه، والتقرير([119">). وأطال الخطيب القرويني الوقوف عند هذا الأسلوب فأفرد له مبحثاً خاصاً ضمن أسلوب الإنشاء الطلبي في باب علم المعاني، نقل فيه ما قاله عبد القاهر والسكاكي، وناقشهما في بعض القضايا، ثم عرض لبعض المعاني المجازية لهذا الأسلوب، فكانت عنده: الاستبطاء، والتعجب، والتنبيه، و الوعيد، والأمر، والتقرير، والإنكار، والتهكم، والتحقير والتهويل، والاستبعاد، والتوبيخ والتعجيب([120">). وهذه المعاني التي ذكرها تعد من أبرز أغراض الاستفهام، وقد فرّع العلماء كثيراً منها، حتى بلغت عند السيوطي (31) غرضاً([121">). إضافات ابن فارس لأسلوب الاستفهام: 1 ـ أنه أفرد باباً مستقلاً، خاصاً بهذا الأسلوب، عرض فيه لأبرز القضايا التي تتعلق فيه، فتجنب بذلك ما وقع غيره فيه. عندما وزعوا مادة بحثهم على صفحات متباعدة متناثرة، يحتاج الباحث فيه إلى لمِّ شتاتها، وجمع ما تفرق منها ليكوّن عنه فكرة عامة، وفي هذا ما فيه من إضاعة للوقت والجهد، وإفساد للبلاغة. 2 ـ أنه أطلق له تعريفاً دقيقاً محكماً، وذكر التسمية الأخرى له (الاستخبار)، وفرّق بين التسميتين. 3 ـ أنه تجاوز سابقيه ومعاصريه من حيث عدد الأغراض البلاغية التي ذكروها، ومع أن هذه الأغراض كانت كثيرة في كتابه، لكن ما همنا منها هو ذاك الملحظ البلاغي الذي تمتع فيه في الكشف عما وراء السياق من أسرار. 4 ـ أنه لم يُسلم لأستاذه ابن قتيبة بكل ما جاء عنده، فلم يقف عند حدود ما وقف؛ بل تجاوزه من ناحيتين، الأولى: أنه خالفه في مسألة تنظيم الأبواب وتوزيعها، فعلى حين رأينا ابن قتيبة يجعل بحثه للاستفهام ضمن أسلوب عام هو "مخالفة ظاهر اللفظ معناه" نرى ابن فارس يعرض له ضمن الأسلوب العام الذي ينتمي إليه وهو علم المعاني، أو (معاني الكلام) كما سماه، وهذا يدل على حسن فهم للبلاغة ومجالاتها المختصة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه، وإن أفاد منه في معنى التعجب، عندما نقل أمثلته، غير أنه أهمل كل ما عدا ذلك في دراسة هذا الأسلوب. 5 ـ تناول ابن فارس قضايا استفهامية أخرى، منها ما ألحقها بباب الاستفهام، كوضع الاستفهام موضع الشرط، وحذف ألف الاستفهام([122">)، ومنها ما وزعه في كتابه وهو الحديث عن أدوات الاستفهام([123">) وفق ما اعتمده من ترتيبها حسب الأحرف الهجائية، وكان في معظم الأحيان لا يقنع بالوقوف عند معنى الأداة؛ بل يتجاوز ذلك للكشف عن معانيها المجازية. وقد يكون هذا مأخذاً عليه في أنه لم يضم هذه الأدوات إلى باب الاستفهام، لكنني لا أراه يلام في عمله هذا، فهو لم يؤلف كتابه لدرس البلاغة والتفصيل فيها، وإنما ألفه لبحث أمور أخرى، وموضوعات مختلفة. وبكلمة أخيرة أقول إن دراسته لأسلوب الاستفهام تعد مثمرة جداً في دراسة البلاغة، فهي تعد من أبرز المسائل التي وصلت إلينا، وأكثرها تكاملاً، فيما لو قارنا جهوده بجهود من أتوا قبله وبعض من أتى بعده، باستثناء أن المتأخرين عرضوا لأدوات الاستفهام بشيء من التفصيل، فبينوا أنواعها ومعانيها، وما يطلب منها التصور، وما يطلب منها التصديق، وتوسعوا في تناول هذه الأغراض ليس أكثر من ذلك. المصادر والمراجع: ـ الأتابكي، يوسف بن تعزي بردي، النجوم الزاهرة، قدم له محمد حسين شمس الدين، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1413هـ ـ 1992م. ـ البغدادي، أحمد بن علي، تاريخ بغداد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنا، د. ت. ـ البوشيخي، الشاهد، مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيين للجاحظ، منشورات دار الآفاق الجديدة، ط 1، 1402هـ ـ 1982م. ـ الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ط عيسى البابي الحلبي، القاهرة، د. ت. ـ ابن جعفر، قدامة، نقد الشعر، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، د. ت. ـ جمعة، حسين، جمالية الخبر والإنشاء، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2005م. ـ الجندي، درويش، علم المعاني، دار النهضة مصر، د.ت. ـ ابن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، ط 2، دار الهدى ـ بيروت ـ لبنان، د. ت. ـ ابن جني، أبو الفتح عثمان، المحتسب، تحقيق علي النجدي ناصف، وعبد الفتاح إسماعيل شلبي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1389 هـ 1969م. ـ ابن الحاجب، عثمان بن عمر، الكافية في النحو، شرح محمد بن الحسن الأستراباذي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985م. ـ الحموي، ياقوت، معجم الأدباء، تحقيق، البحر المحيط، عناية زهير جعيد، دار الفكر، بيروت، 1412هـ ـ 1999م. ـ أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف، البحر المحيط، عناية زهير جعيد، دار الفكر، بيروت، 1412هـ ـ 1992م. ـ ابن خالويه، الحسين بن أحمد، الحجة في القراءات السبع، تحقيق د. عبد العال سالم مكرم، مؤسسة الرسالة، ط 6، 1417هـ ـ 1996م. ـ ابن خلكان، أحمد بن محمد بن أبي بكر، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، 1397 هـ ـ 1977م. ـ الرمّاني، علي بن عيسى، النكت في إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، مصر، 1387هـ ـ 1968م. ـ الزركشي، محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، تحقيق د. يوسف المرعشلي وآخرون، دار المعرفة، بيروت، ط 1415، 2 هـ ـ 1964م. ـ الزمخشري، محمد بن عمر، الكشاف، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، مكتبة العبيكان، الرياض ـ السعودية، ط 1، 1418هـ. ـ أبو السعود، محمد بن محمد العمادي، تفسير أبي السعود، المسمى (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم)، دار إحياء التراث، بيروت ـ لبنان، د. ت. ـ السكاكي، يوسف بن محمد بن علي، مفتاح العلوم، تحقيق د. عبد الحميد هنداوي، ط 1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 1420هـ ـ 2000م. ـ سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر، الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، ط 3، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1408هـ ـ 1988م. ـ السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة دار التراث، القاهرة، د. ت. ـ السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي، ط1، 1384 هـ 1964م. ـ الطبري، ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار الفكر، 1408هـ ـ 1988م. ـ أبو عبيدة، معمر بن المثنى، مجاز القرآن، تحقيق د. محمد فؤاد سركين، مكتبة الخانجي، د. ت. ـ العسكري، أبو هلال، الصناعيتين، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ط عيسى البابي الحلبي ـ القاهرة، د.ت. ـ ابن عطية، أبو محمد عبد الحق الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد الله بن إبراهيم الأنصاري والسيد عبد العال إبراهيم، ط1، الدوحة، 1402هـ ـ 1982م. ـ ابن فارس، أحمد الصاحبي، تحقيق السيد أحمد صقر، ط مطبعة عيسى البابي الحلبي ـ القاهرة، د. ت. ـ الفراء، يحيى بن زياد، معاني القرآن، تحقيق د. عبد الفتاح شلبي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، د. ت. ـ ابن قتيبة، محمد بن عبد الله بن مسلم، أدب الكاتب، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط 4، مطبعة السعادة، مصر، 1382هـ ـ 1963م. ـ ابن قتيبة، محمد بن عبد الله مسلم، تأويل مشكل القرآن، شرح ونشر السيد أحمد صقر، ط 3، المكتبة العلمية ـ بيروت، 1401هـ 1981م. ـ القرطبي، محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، مراجعة صدقي محمد جميل وعرفان العشا، دار الفكر، بيروت، 1415 هـ ـ 1995م. ـ القزويني، جلال الدين محمد بن سعد الدين بعد عبد الرحمن، الإيضاح، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، د.ت. ـ المبرد، محمد بن يزيد، الكامل، تحقيق د. محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، ط 3، 1418هـ ـ 1997م. ـ المبرد، محمد بن يزيد، المقتضب، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب، د.ت. ـ المرادي، الحسن بن قاسم، الجنى الداني، تحقيق فخر الدين قباوه، ومحمد نديم فاضل، الكتبة العربية، حلب، ط 1، 1393هـ ـ 1973م. ـ ابن المعتز، عبد الله، البديع، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، دار الجليل، بيروت، ط 1، 1410هـ ـ 1990م. ـ ابن منظور، لسان العرب، تصحيح أمين عبد الوهاب ومحمد العبيدي، ط 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1416هـ ـ 1996م. ـ ابن هشام، جمال الدين الأنصاري، تحقيق د. مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، ط 5، دار الفكر، بيروت، 1979م. ـ يوسف، حسين عبد الجليل، أساليب الاستفهام في الشعر الجاهلي، دار الثقافة، القاهرة، د.ت. ------------------- * مدرسة في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق. ([1">) هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، من كبار المصنفين في القرن الرابع الهجري، أغنى مكتبة العرب بآثار كثيرة في مختلف العلوم، حاز شهرته كنحوي لغوي، وذلك بفضل مؤلفاته في النحو واللغة، كالصاحبي، ومقاييس اللغة، والمجمل في اللغة وغيرها. وكتابه (الصاحبي) هو آخر ما ألفه، وهو معدود في أهم المصادر التي يرجع إليها الباحثون في أصول الدراسة اللغوية. انظر في ترجمته: إنباه الرواة 1/127 ـ 130، و تاريخ بغداد 7/275 ـ 276، ووفيات الأعيان 1/118 ـ 120، والنجوم الزاهرة 4/213، وبغية الوعاة 1/352، ومعجم الأدباء 2/56 ـ 68. ([2">) لسان العرب: مادة (فهم).

الأربعاء، 12 أكتوبر، 2011

أثر سيبويه النحوي في نشأة البلاغة العربية

مصادر البحث:
مجلة آفاق الحضارة الاسلامية، شماره 15، نجفي، سيد رضا*؛
*استاذ مساعد في قسم اللغة العربية بجامعة اصفهان

المقدمة
العلوم والفنون في القرن الثاني لم تكن قد تحددت بعد أو دخلت في دور التنسيق والتصنيف، والتقسيم، ووضع المصطلحات هنا وهناك عنوانا علي كل قسم، وتمييزا له عن سائر الأقسام، وإنما كانت العلوم والفنون وقتئذ متداخلة يصب بعضها في بعض ويثري بعضها بعضا، فاللغة، والنحو، والبلاغة كلها كانت بمثابة روافد متعددة تصب في مجري واحد هو أثراء اللغة والمحافظة علي سلامتها، وابراز جمالها وسيبويه في كتابه لم يكن متناولاً لفن واحدٍ من هذه الفنون، بل كان متناولاً لها جميعا، ومنظما لها في عقد واحد، فلم يطف بخاطره أو بأذهان المعاصرين له أن يفصلوا بين هذا العلم أو ذاك،أو يضعوا مصطلحا لهذه الفنون أو تلك، ولذلك فان سيبويه في إدراكه لتداخل العلوم قد اهتدي الي ربط النحو بالمعاني، فنفث في النحو روحا مشعة لها جلالها وقيمتها حتي تطور هذا الربط إلي أقصي درجاته علي يد عبدالقاهر الجرجاني، غيرأنه وأسفاه لم يكتب لهذه الروح العمر المديد، بل أزهقت في قضبة السكاكي حين فصل بعضها عن بعض فوضع المصطلحات لم يكن يعني العلماء في القرن الثاني الهجري، وانما الذي كان يعنيهم حقا هو نبش تلك المناجم العلمية والفنية واستخراج ما في جوفها من كنوز، وازاحة الأتربة العالقة بها حتي تتلألأُ أمام العيون ويتكشف ما فيها من بريق يجذب أنظار العالم، و يسترعي انتباهم، فاستخراج الكنوز هي المهمة الأولي التي تعنيهم وليس وضع الأسماء لمحتويات هذه الكنوز ثم بعد أن يبدأ كل شيء ويستقر في موضعه فإن الزمن في خدمة العلماء، والتطور العلمي كفيل بوضع الاسم المناسب لكل نوع من هذه الأنواع ولا يحق لمنصف أن يتنكر لجهود سيبويه التي قدمها لخدمة البلاغة العربية،بدعوي أنه لم يذكر لها مصطلحات، أو لأنه لم يضع لها قوانين، كالمصطلحات والقوانين التي عرفناها فيما بعد، وأنما يحق لنا أن نقول دون ادعاء أو مبالغة ان سيبويه كان حجر الأساس في بناء البلاغة العربية بما ذكره من موضوعات تدخل في علم المعاني كالحذف والزيادة، والذكر والإضمار، والتقديم والتأخير، والاستفهام والقصر، والفصل والوصل، والمجاز العقلي، والتعريف والتنكير ومقتضي الحال، القلب، كما تعرض لصور من خروج الكلام علي مقتضي الظاهر، ولم يفته أن يتناول أسرار التراكيب وتأليف الكلمات، وصوغ العبارات، وابراز الفرق بين تعبير وآخر،أن اهتمامه لم يكن قاصرا علي أواخر الكلمات، و بيان إعرابها و بنائها وإنما تجاوز ذلك إلي نظم الجملة والجمل.
نشأة علم النحوان النحو قبل سيبويه لم تكن له صورة العلم ذي الابواب والفصول والقواعد العامة وانما كان مسائل متفرقة لا تجمعها قاعدة ولا يضمها باب جامع بل كانت ممتزجة بغيرها من مسائل اللغة والادب لتفسير القران وفهم أشعار العرب فاستطاع كتاب سيبويه أن يجمع القواعد ويرتبها ويعقد أبوابا يجمع فيها أشقاءها من المسائل النحوية فاعتبر بذلك أول كتاب لتدوين النحو وصل الينا بهذه الصورة الكاملة.
قد أطنب كثير من العلماء في مدح سيبويه وتقريظ كتابه بكلمات نلمح فيها الاعجاب العظيم لعمله الرائع الكبير يقول المازني من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي مما أقدم عليه.(1)ابنُ جنّي يقول عنه: وقد حطب (جمع) بكتابه و هو ألف ورقة علما مبتكرا ووصفا متجاوزا لما يسمع ويري. (2)واذا أردنا آن نستقصي آراء العلماء في ثنائهم علي سيبويه واعجابهم بكتابه لضاق بنا المجال ويكفي أن نذكر أنهم أطلقوا اسم (الكتاب) علما اختصَّ به هذا المصنف دون بقية المصنفات الاخري فاذا أطلقت كلمة الكتاب فهم أن المراد هو كتاب سيبويه دون غيره بل ان سيبويه نفسه من فرط اعجابه بالكتاب وقيمته أسماه قرآن النحو فالسيوطي يقول عن سيبويه: هو أعلم الناس بالنحو بعد الخليل وألف كتابه الذي سماه قرآن النحو وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل.(3)
لاشك أن النحو قد تطور بعد سيبويه فزادت عليه مسائل ودخل عليه تنظيم أحسن و تبويب أقوم وتقعيد أدق لكنه مع ذلك لم يخرج عن المنهج الذي رسمه سيبويه في استنباط الاحكام واستخراج المسائل وتوضيح العلل فالاجيالُ المتعاقبة لم تغير أسسه وقواعده وان غيرت صوره وقوالبه وجعلته فضفاضا يتسع لمختلف النواحي كما نري في كتاب المقتضب للمبرد و شرح الكافية للرضي والاول من الكتب المتقدمة والثاني من الكتب المتأخرة ولذلك مضي الناس يأخذون عن الكتاب جيلاً بعد جيل وعصرا وراء عصر حتي ملأ أسماع الدنيا وشغل بقواعده التي ظلت نجوما قطبية تجذبهم وتهديهم في مؤلفاتهم ومباحثهم وقيل فرق مابينه و بين الكتب التي جاءت بعد عصره كفرق ما بين كتاب في التقوي و كتاب في القانون ذلك يجمع جزئيات يدرسها و يصنفها ويصدر أحكامها فيها والآخر يجمع كليات يصنفها و يشققها علي الجزئيات.(4)
دور النحاة في نشأة علوم البلاغة وتطويرها:النحاة هم أصحاب الفضل الاول في نشأة علم البلاغة علي الرغم من أنها كانت في البداية نظرات متناثرة هنا وهناك ضمن مباحثهم النحوية ثم أتيح لمن أعابهم أن يصوغ من هذه النظريات العابرة قواعد بلاغية ذات صبغة علمية وقد رسخ أذهان الباحثين عن نشأة البلاغة وتطورهاأن أبا عبيدة هو أول من تناول البلاغة بالحديث.
واذا كان كتاب سيبويه ترجع أهميته العظمي عند الاقدمين لما حواه من قواعد نحوية نحتاج لتعلمها علي مر العصور حفاظا علي اللغة العربية و سلامتها فانه في نظرنا يجري بجوار ذلك تحليلاً رائعا واحساسا دقيقا بفقه اللغة وأساليبها وأسرار تراكيبها فهو لا يسجل أصول النحو وقواعده فحسب وانما يلاحظ العبارات ويتأملها ويستنبط خواصها ومعانيها بما وهب من حس دقيق مرهف كما يعد الكتاب ايضا شاملاً لدراسة بعض الظواهر المنسوبة الي لهجات القبائل المختلفة وما يتعلق منها بالاصوات وبناء الكلمة وبناء الجملة وغير ذلك مما يجده الباحث في أصول اللغة واللهجات والأصوات وقد كان الباحثون تجاه سيبويه فريقين:
الفريق الاول كان من المهتمين بالدراسات البلاغية فنظر الي سيبويه من خلال كتب عبدالقاهر فحسب عندما يشير اليه في بعض المواضع من دلائل الاعجاز ويرون في هذه الاشارة أثرا من آثار سيبويه في البلاغة بصفة عامة وفي عبد القاهر بصفة خاصة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر والفحص في كتاب سيبويه واستنباط ما نثر فيه من لمحات بلاغية عابرة حينا ومركزة أحيانا فظل الكتاب لوقتنا هذا غابة مجهولة وسرا مغلقا لكثير من الدارسين الذين يتوقون لاجتلاء معانيه وكشف اللثام عما فيه من نظرات ثاقبة لها أثرها الكبير في بناء صرح البلاغة العربية، فكان لزام علي من يتصدي لهذا العلم أن يعرض لجذوره الضارية في أعماق التاريخ لكي يصبح البحث مجديا و النتائج دقيقة.
والفريق الآخر كان من المهتمين بالدراسات النحوية فبحث كتاب سيبويه بحثا دقيقا لاستنباط ما يحلو له من قواعد في النحو و التصريف واللغة دون أن يمس آراءه البلاغية الا مسا خفيفا وبالتالي لم يضع بين أيدينا آراء سيبويه البلاغية جملة ومن أجل هذا كان بحث سيبويه حتي الان كرجل بلاغي يعد بحثا قاصرا و غير شامل وظل سيبويه كما هو مفتقر الي دراسة جادة مستفيضة تنفض عن آرائه البلاغية ما علق بها من ركام العلوم الاخري التي غلبت عليها و أخفتها عن العيون طيلة هذه القرون.
البلاغة في كتاب سيبويهتعريف المسند اليه وتنكيرهومن الألوان البلاغية المعروفة تعريف المسند اليه، هذا هو الأصل، لأنه المحكوم عليه والحكم علي المجهول لا يفيد، وهذه الحالة من أحوال المسند إليه، وتعليلها مشهورة في كتب المتأخرين ونري سيبويه لم يغفل هذا الموضع وبيان علته، و لكنه لم يقف عند ذلك، بل تعداه إلي نفسية المخاطب الذي يريد أن يفهم عن المتكلم، فإذا بقي الكلام مجهولاً عند المخاطب، أو مازال ملتبسا بغيره فهو ضرب من الألغاز والأحاجي، وسيبويه يوضح ذلك وضوحا شديدا، وفي فصاحة بيان يندر أن نجدها في ثنايا الكتاب ومتاهاته يقول في باب كان "واعلم أنه إذا وقع في هذا الباب نكرة ومعرفة فالذي تشغل به كان المعرفة، لأنه حد الكلام، لأنهما شي ء¨ واحد، وليس بمنزلة قولك ضرب رجل زيدا، لأنهما شيئان مختلفان وهما في كان بمنزلتها في الإبتداء إذا قلت عبداللّه منطلق تبتدي بالأعراف ثم تذكر الخبر، وذلك قولك كانَ زيدٌ حليما، وكانَ حليما زيدٌ، لا عليك أقدمت أم أخرت، الا أنه علي ما وصفت لك في قولك ضرب زيدا عبداللّه، فإذا قلت كانِ زيدٌ فقد ابتدأت بما هو معروف عنه، مثله عندك فإنما ينتظر أن تعرف صاحب الصفة، فهو مبدوء به في الفعل وإن كان مؤخرا في اللفظ، فان قلت كان حليما أو رجلٌ فقد بدأت بنكرة ولا يستقيم أن تخبر المخاطب عن المنكور... فالمعروف هو المبدوء به، ولا يبدا بنكرة بما يكون فيه اللبس " (5)فسيبوية يحدد لنا أن اسم كانَ وهو المبتدأ لابد أن يكون معرفة، وبالتالي لابد أن يتقدم حتي يبني المتكلم عليه الخبر، لأنه لا يصح البناء علي مجهول، واسم كان رتبته التقديم وان تأخر في وضعه من الجملة، والمخاطب تتشوف نفسه الي معرفة الوصف إذا تقدم اسم كان، أو إلي صاحب الوصف اذا تأخر فمدار الأمر أن المخاطب يريد أن يفهم وأن يعرف شيئا جديدا كان مجهولاً لديه وعلي المتكلم أن يراعي هذه الحاجة ويلبيها له، ولن يتحقق للكلام أن يكون مدخل من البلاغة، و مراعاة لمقتضي حال المخاطب إلا إذا ابتدأ بالمعرفة، و لو أنه بدا بنكرة لخرج من دائرة الحسن فضلاً عن أن يكون كلاما مستقيما. ولكن المسند إليه قد يأتي نكرة لأسباب أحصاها البلاغيون، فأحيانا ينكر للدلالة علي الوحدة، وأن المراد شخص واحد لا شخصين كقوله تعالي:"وجاء رجل من أقصي المدينة يسعي" أي رجل، وليس أكثر، وأحيانا يأتي التنكير للدلالة علي الجنس كأن تقول جاءني رجل وأنت تريد أن تنفي أن الجايي ء امراة، وقد يأتي التنكير للتعظيم،أو التحقير، ومثل له البلاغيون بالبيت المشهور لمروان بن أبي حفصة:
له حاجب عن كل شي ء يشينه
وليس له عن طالب العرف حاجب


فذكرت كلمة (حاجب) في البيت مرتين الأولي للتعظيم والثانية للتحقير، وغير ذلك من الأغراض التي يلم بها كل دارس للبلاغة، وقد رأينا عند سيبويه اهتماما بذكر أغراض التنكير، حيث أدلي فيها بدلوه، ففي الباب الذي عقده تحت عنوان (هذا باب تخير فيه عن النكرة بنكرة) يذكر فيه أغراض التنكير، وإنه يأتي للوحدة أو الجنس أو التعظيم فيقول "يقولُ الرجلُ أتاني رجلٌ يريدُ واحدا في العددِ لا اثنين، فتقول ما أتاك رجلٌ:أي امراةٌ أتتك، ويقول أتاني اليومَ رجلٌ أي في قوته ونفاذة فتقول ما أتاك رجلٌ: أي أتاك الضعفاء" (6)وواضح من هذا أن سيبويه قد طرق باب التنكير وبين بعض أعراضه، كما طرق باب التعريف، وغيره من الأبواب البلاغية.
الحذفمن يتصفح كتاب سيبويه يجده ينص في مواضع كثيرة علي ضرورة الحذف لاسباب نراها تدخل في فن البلاغة مثل التخفيف والايجاز والسعة ويبين لنا أن العرب قد جرت عادتها علي الحذف وحبذته من غير موضع ولغتها تشهد بذلك يذكر سيبويه أن الحذف لا يكون مطلقا حيث أردنا الحذف وانما يكون اذا كان المخاطبُ عالما به فيعتمد المتكلم علي بديهة السامع في فهم المحذوف.
في موضع يذكر لنا أن الحذف قد يكون لسعة الكلام والاختصار وذلك قولك متي سير عليه فيقول مقدم الحاج وخفوق النجم فانما هو زمن مقدم الحاج وحين خفوق النجم ولكنه علي سعة الكلام والاختصار(7)فسيبويه هنا يتحدث عن الحذف بصفة عامة ويبين السبب الذي ألجأ العرب اليه وأن الذي دفعهم الي ذلك أما طلب الخفة علي اللسان واما اتساع الكلام والاختصار ولابد في هذا الحذف أن يكون المحذوف معلوما لدي السامع وأنه سيفطن اليه لدلالة الكلام عليه. ويتحدث عن حروف الجر وحذفها وسبب الحذف ومن ذلك اخترت الرجال عبداللّه ومثل ذلك قوله تعالي: واختار موسي قومه سبعين رجلاً. وسميته زيدا فهذه الافعال توصل بحروف الاضافة يعني حروف الجر فتقول اخترت فلانا من الرجال وسيمته بفلان فلما حذفوا حرف الجر عمل الفعل (8)ويبين أن حذف الجار كثير في كلام العرب من ذلك قولهم أكلت بلدة كذا وكذا انما يريد أنه أكل من ذلك وهذا أكثر من أن تحصي.(9)
ويتحدث عن حذف المضاف اذا لم يلتبس علي المخاطب وكان الكلام مفهوما فهو في قول ابن داود:
أَكلُ امريء تحسبينَ امرءا
ونارٌ تُوقَّدُ بالليلِ نَارا


يقول فاستغنيت عن تثنيته بذكرك اياه في أول الكلام ولقلة التباسه علي المخاطب(10)ولكن عبدالقاهر يعترض علي مافهم عن سيبويه من أن الحذف مجاز اذا لا يصح أن توصف الكملة بالمجاز الا اذا نقلت عن معناها الي معني آخر والحذف لا يجري فيه نقل الكلمة من معناها الأصلي الي معني جديد بل ان ما يحدث فيها هو تغيير الحكم الاعرابي فقط فقوله تعالي واسأل القرية أصلها واسألْ أهلَ القرية فقد كانت القرية مجرورة ثم صارت منصوبةً والقرية لم تستعمل في غير ما وضعت له.(11)
وسيبويه يخبرنا بأن الفعل انما يحذف ايجازا واستغناء بما يري من دلالة الحال عليه حين تقول العرب: حدث فلان بكذا وكذا فتقول صادقا واللّهِ أو انشدك شعرا فتقول صادقا واللّه أي قال صادقا:(12)
ويري أن من الفصاحة حذف خبر إنَّ واخواتها فقال: هذا باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الاحرف الخمسة لاضمارك ما يكون مستقرا لها وموضعا لو أظهرته وليس هذا المضمر بنفس المظهر وذلك ان مالاً وان ولدا أي ان لهم مالاً وقال الاعشي:(13)
ان مِحِلَّا وان مُرْتَحِلاً
وان في السفر ما مضيمَهْلَا


وهو يتحدث عن حذف الصفة وما فيها من بلاغة لا تتوافر مع وجودها وأن هذه البلاغة يستشعرها المخاطب بل القائل نفسه اذا تأملها يقول الزجاج: وحكي سيبويه سير عيه ليل وهم يريدون ليل طويل وكأن هذا انما حذفت فيه الصفة بما دل من الحاح علي موضعها وذلك أنك تحسن في كلام القائل لذلك التطويح والتطريح والتعظيم ما يقوم في مقامه قوله طويل ونحو ذلك وأنت تحسن هذا من نفسك اذا تاملته كأن تقول مقام المدح كان واللّه رجلا فتطيل الصوت أي رجلاً فاضلاً شجاعا أو كريما.(14)
وهكذا نجد سيبويه يعرض للحذف بجميع الوانه من حذف حرف الجر والاسم سواء كان مضافا او مضافا اليه والمبتدأ والخبر والصفة والموصوف وحذف الفعل سواء كان للاغراء أو التحذير أو التعجب الي غير ذلك مراعيا في هذا الحذف التخفيف علي اللسان ووجود القرينة التي نلمحها في علم المخاطب وملاحظته في هذا الحذف شيئا من الفصاحة يخلو الكلام منها اذا كان تاما لا حذف فيه وكلما ذكره سيبويه من الوان الحذف اعتبرها البلاغيون من بعده مشتملة علي الفصاحة والبلاغة.
الذكركما وجد سيبويه للحذف أسبابا بلاغية وجد أَيضا للذكر دواعي يحسن بها الكلام ومن ثم فلا يجوز الحذف بحال من الاحوال: فالفعل عنده لا يحذف اذا كان لا يخطر علي بال المخاطب بان يكون غافلاً عنه او ان الحال لا تلفت اليه او اذا كان داعي النظم يقضيه ويحتميه كأن يأتي بعد حرف يستدعي ذكره بعده مثل ان وقد فيقول: اما الفعل الذي لا يحسن أخباره فانه ان تنتهي الي رجل لم يكن في ذكر ضرب لم يخطر بباله فتقول زيدا فلابد له من أن يقول اضرب زيدا وتقول له قد ضربت زيدا او يكون موضعا يقبح أن يعري من الفعل نحو ان وقد وماأشبه ذلك(15)
الزيادةويتحدث سيبويه أيضا عن الزيادة فيذكر زيادة الحروف وأثرها في الكلام و يتعرض لشتي الحروف التي تأتي زائدة في الكلام مثل الكاف والباء ومن وما ولا وان وغير ذلك فيقول عن الكاف في قولهم: النجاءك أنها جاءت توكيدا وتخصيصا ولم تجي للاضافة لان الاسم المقرون بأل لا يضاف.(16)وانما أحيانا تأتي زائدة بمعني مثل للتشبيه والمبالغة فيقول: وان ناسا من العرب اذا اضطروا في الشعر جعلوا الكاف بمنزلة مثل يقول حميد الارقط: فصيروا مثل كعصف المأكول وقول خطام المجاشعي و صاليات ككما يؤثفين.
ويعقب الاعلم علي قول سيبويه فيقول: و جاز الجمع بين مثل والكاف جوازا حسنا لاختلاف لفظهما مع ما قصده من المبالغة والتشبيه ولو كرر المثل لم يحسن(17)و يتحدث أيضا ليس ما معني سوي ما كان قبل أن تجي الا التوكيد و من ثم جاز ذلك اذا لم ترد به أكثر من هذا.(18)
التقديم والتأخيرسيبويه في صدر كتابه يحدثنا عن التقديم والتاخير وربما كان أول من طرق سرهذا اللون البلاغي من العلماء فنحن نلحظ أن العلماء قبله كيونس بن حبيب كانوا يعرفون التقديم والتاخير ولكهنم لم يقفوا علي اسراره البلاغية أما سيبويه حين يعالج التقديم والتأخير في الكلام فانه يلفت النظر الي سر بلاغي هام تلقفه علماء النحو و البلاغة فناقشوه مؤيدين ومعارضين فأثري بهذه اللفتة الطيبة كثيرا من المباحث البلاغية فيقول في باب الفاعل الذي يتعداه فعله الي مفعول: فان قدمت المفعول وأخرت الفاعل كقولك ضرب زيدا عبداللّه وكان حد اللفظ فيه أن يكون الفاعل مقدما وهو عربي جيد كثيركأنهم انما يقدمون الذي بيانه أهم لهم و هو ببيانه أعني وان كانا جميعا يهمانهم و يعنيانهم.(19) فمن شان المفعول أن يتاخر عن الفاعل ولكنه اذا تقدم فذلك لعلة قصد اليها المتكلم وهي العناية والاهتمام بشانه واذا كان تقديم المفعول عن الفاعل للعناية و الاهتمام فان تقديم المفعول علي الفعل ياتي لهذ الغرض البلاغي نفسه يقول: وان قدمت الاسم فهو عربي جيد كما كان ذلك عربيا جيدا و ذلك قولك زيدا ضربت والعناية و الاهتمام ههنا في التقديم والتاخير سواء منك في ضرب زيدٌ عمرا وضرب عمرا زيدٌ(20). ونراه يلاحظ التقديم في ابواب كثيرة من ابواب النحو يلاحظ في باب ظن وكسي و ان وكان والظروف وغير ذلك ويضع اصابعه علي علة بلاغية لها قيمتها في فن البلاغة عند المتاخرين ففي باب ظن يقول: فان الغيت قلت عبداللّه اظن ذاهب و هذا اخال اخوك وكلما أردت الالغاء فالتاخير أقوي وكلّ عربي جيد... وانما كان التأخير أقوي لانه انما يجي بالشك بعد ما يمضي كلامه علي اليقين أو بعد ما يبتدي وهو يريد اليقين ثم يدركه الشك.(21)فالتقديم هنا ليس للعناية والاهتمام كالموضع السابق في تقديم المفعول علي الفاعل أو الفعل وانما التقديم هنا لغرض بلاغي آخر و لعامل نفسي طرأ علي المتكلم أثناء كلامه وحول يقينه الي شك فالزمه تغيير وضع الالفاظ عما كان ينبغي ان تكون عليه.
وفي حديثه عن الاستفهام نراه يستحسن أنْ يلي المسؤل عنه الهمزة فيتقدم علي الفعل يستحسن ذلك فقط ولا يجعله فاسدا اذا لم يلِ الهمزة بل يجيزله ان يتقدم أو يتاخر وان كان التقديم عنده أفضل ففي باب ام اذا كان الكلام بها بمنزلة أيهما أو أيهم و ذلك قولك أزيد عندك أو عمرو و أَزيدا لقيت ام بشرا فانت الان مدع ان عنده احدهما... واعلم انك اذا اردت هذا المعني فتقديم الاسم احسن لانك لا تساله عن اللقي وانما تساله عن أحد الاسمين لا تدري أيهما هو فبدأت بالاسم لانك تقصد قصداأنْ يبين لك اي الاسمين عنده وجعلت الاسم الاخر عديلاً للاول وصار الذي لا تسال عنه بينهما و لو قلت الغيب زيدا أم عمرا كان جائزا حسنا وانما كان تقديم الاسم ههنا أحسن ولن يجز للآخر لن يكون مؤخرا لانه قصد أحد الاسمين فبدا باحدهما.(22)
ولكن ابن جني لا ياخذ براي سيبويه في امر التقديم والتاخير وسره البلاغي من حيث العناية والاهتمام او التنبيه ويثور علي ما ارتاه سيبويه فيقول: وانما هي شي ء راه سيبويه واعتقده قولاً ولسنا نقلد سيبويه ولا غيره في هذه العلة ولا في غيرها فان الجواب عن هذا حاضر عتيد والخطب فيه ايسر.(23)فالتقديم عند ابن جني واستاذه ابي علي الفارسي ليس لعلة بلاغية من الاهتمام بشان المقدم او العناية به او التنبيه عليه ليس شي ء من ذلك اطلاقا: وذلك ان المفعول قد شاع عن العرب واطرد من مذاهبهم كثرة تقدمه علي الفاعل حتي دعا ذلك ابا علي الي ان تقديم المفعول قسم قائم برأسه كما ان تقديم الفاعل قسم ايضا قائم براسه وان كان تقديم الفاعل اكثر وقد جاء به الاستعمال مجيئا واسعا نحو قول اللّه تعالي: انما يخشي اللّه من عباده العلماء؛ والهاكم التكاثر.
فهذه القضية الكبري التي يتناولها علماء النحو والبلاغة واللغة ومازلنا نقرا عنها حتي يومنا هذا في كتب النحو والنقد والبلاغة، هي في اساسها من صنع سيبويه فهو اول من اشار اليها وطرق بابها ولاشك ان هذا فضل ينسب اليه بالفخار ويجعله رائدا مجيدا من الرواد الذين اسهموا بنصيب وافر في تأسيس علم البلاغة.
خروج علي غير مقتضي الظاهرونقصد من التعبير بإخراج الكلام علي غير مقتضي الظاهر، أن يكون ظاهر الحال يقتضيه علي صورة خاصة فيؤتي به علي غير هذه الصورة لأمر يعتبره المتكلم(24) كالتعبير بلفظ الماضي عن المستقبل وعكسه، والقلب، ووضع الظاهر موضع الضمير وعكسه، واستعمال الطلب في موضع الخبر، والخبر في موضع الطلب، وغير ذلك مما يتجاوز أصل معناه ويمتد إلي معني جديد.
و سيبيويه يتحدث عن عبارات لغوية تدخل في الدراسات البلاغية، لخروجها علي غير مقتضي الظاهر مثل القلب، ووضع المفرد مضوع المثني، أو الجمع، ووضع الجمع،واستعمال اللفظ الموضع لغير العاقل في موضع العاقل، وغير ذلك مما يتحتم الإشارة إليه.
وقد تحدث علماء البلاغة عن النداء وخروجه عن أصله؛ وهذا سيبويه قد سبقهم للحديث عنه فيقول (هذا باب مايكون النداء فيه مضافا إلي المنادي بحرف الإضافة) وذلك في الاستعانة والتعجب كقول مهلهل:
يا لبكر انشروا لي كليبا
يا لبكر أين الفرار


فاستغاث بهم لأن ينشروا له كليبا، وهذا منه وعيد وتهديد، وأما قوله يا لبكر أين الفرار، فانما استغاث بهم أي: لم تفرون استطالة عليهم ووعيدا(25)فالنداء في البيت لم يستعمل في معناه وإنما خرج للاستغاثه، وما تتضمنه من وعيد وتهديد ولا شك أن حمل النداء هنا علي الاستغاثة عن سيبويه ظاهر الفساد، لأن الشاعر لا يستغيث بمن يهدده، و قد حمله النحاة علي الاستهزاء فقال:"إنما يدعوهم ليهزأ بهم ألا تراه قال انشروا لي كليبا"(26)وسواء كان النداء هنا للاستهزاء أو للاستغاثة فانه قد خرج عن اصل وضعه وقد نبه سيبويه علي هذا.
وسيبويه يذكر حروف النداء الخمسة: يا، وأيا، وهيا، وأي، والألف، والأخيرة لنداء القريب، والأربعة الأول لنداء البعيد، أو الإنسان المعرض عنهم أو النائم المستثقل أو الشيء المتراخي فيقول "وقد يجوز لك أن تستعمل هذه الخمسة إذا كان صاحبك قريبا مقبلاً عليك توكيدا(27)فالأدوات الموضوعة لنداء البعيد يجيز سيبويه استعمالها لنداء القريب لغرض بلاغي هو التوكيد.
القلبفالقلب نوع من الإخارج علي غير مقتضي الظاهر، وهو عند السكاكي يورث الكلام ملاحة ويصل به إلي كمال البلاغة(28)و السكاكي الذي استقرت علوم البلاغة علي يديه، وأخذ كل لون من ألوانها مكانه المعين في أقسام البلاغة من معان و بيان و بديع يعتبر القلب داخلاً في علم المعاني، غير أن القلب الذي انتهي إليه السكاكي ووصفه بانّهُ يورث الكلام ملاحة، ويرتقي به مدارج البلاغة، لم يكن ينظر إليه المتقدمون بعين الاعتبار حتي انهم اذا قرأوا مثالاًله القران أولوه عن ظاهره، لأنهم لا يجدون فيه نوعا من الحسن أو الخلابة. فسيبويه يرد القلب إذا ورد في الكلام، ويصفه بالرداءة، والبعد عن الجودة، وتأويل هذا النوع هو ما يكون به صحة الكلام وحسنه يقول: "وأما قوله ادخل فوه الحجرَ، فهذا جري علي سعة الكلام، و الجيد أدخلَ فاهُ الحجرَ، كما قال أدخلتُ في رأسي القلنسوةَ، و الجيد أدخلتُ في القلنسوةِ رأسي... قال الشاعر:(29)
تري الثور فيها مدخل الظّل رأسه
وسائره بادٍ الي الشمسِ أجمع

فقد كان الوجه ان يقول مدخل رأسه
الظل،لأن الرأس هوالداخل في الظل


و الظل هو موضع الدخول، فهذا النوع من التعبير قد جري علي الاتساع و القلب عند سيبويه، غير أنه قبيح و لا يتصف بالجودة، فاذا عرضنا هذا اللون من التعبير علي أهل البصر بالكلام و النقد، فاننا نراهم مختلفين في قيمته الفنية، و أثره البلاغي. فالقاضي الجرجاني يخبرنا أن القلب كثير في شعر العرب و لايعقب بشي ء بعد ذلك.(30) و معني هذا أنه يحبذه و لايرده، فالقول بأنه كثير في شعر العرب دليل علي سلامته و صحته و حسنه، لأن الشعراء يتوخون في شعرهم الحسن و الاجادة. ولو كان يحمله علي الضرورة الشعرية لعبر عن ذلك، ولكنه اقتصر علي الأخبار بأنه كثير في شعر العرب. و الآمدي له رأي مختلف تماما عن رأي الجرجاني فهو يرفض القلب نهائيا، و لا يأخذ به في صورة من صوره، بل يؤوله اذا وجده في القرآن، و يخطئه اذا وجده في الشعر «لأن القلب انما جاء في كلام العرب علي السهو، و التأخر لايرخص له بالقلب، لانه يحتذي علي أمثلهم، و يقتدي بهم، و ليس ينبغي له أن يتبعهم فيما سهوا فيه. فانه قيل ان القلب قد جاء في القرآن، و لايجوز أن يقال ان ذلك علي سبيل السهو و الضرورة، لأن كلام اللّه ٍ تعالي عن ذلك و ما يضربونه من أمثلة يتبين فيها القلب في القرآن يؤولها الآمدي جميعا و يعتبرها صحيحة مستقيمة لا قلب فيها فمثلاً قوله تعالي «ما ان مفاتحة لتنوء بالعصبة أولي القوة» (القصص / 76) يقولون ان فيها قلبا، لأن المعني و انما العصبة تنوء بالمفاتيح، أو تنهض بثقلها، فينفي الآمدي وجود القلب في الآية فيقول: انما أراد، اللّه تعالي ما ان مفاتحه لتنوء بالعصبة أي تميلها من ثقلها، و هكذا يجري الآمدي علي التأويل في كل الآيات القرآنية التي يستدلون بها علي صحة القلب، غير أن الآمدي يضطر الي قول القلب اذا كان المعني المقلوب و غير المقلوب متقاربين مثل قول الحطيئة:
فلما خشيتُ الهُون و العير ممسك
علي رغمه ما امسك الحبل حافرهُ


قالوا و كان الوجه أن يقول: ما أمسك الحافر حبله و كلاهما متقاربان، لأن الحبل اذا امسك الحافر أيضا شغل الحبل ثم يقول: «و هذا أي التأويل كله سائغ حسن، ولكن القلب القبيح لا يجوز في الشعر و لا في القرآن. و هو ما جاء في كلامهم علي سبيل الغلط. و أخيرا يبين الآمدي سبب رفضه للقلب و اعتباره من ألوان البلاغة، بأنه لايجد فيه فائدة و انما يلجأ اليه الشعراء للضرورة ليس الا، و يتعجب من رأي المبرد في القلب فيقول: «و قال المبرد: القلب جائز للاختصار اذا لم يدخل الكلام لبس: كأنه يجيز ذلك للعرب الأوائل دون المتأخرين، و ما علمت أحد قال للاختصار غيره، فلو قال لاصلاح الوزن، أو للضرورة، كما قال غيره كانت ذلك أشبه»(31) فالقلب اذن ليس من أنواع البلاغة عند الآمدي و هو بذلك يتفق في نظرته مع سيبويه في رده و وصفه بالرداءة، و قد كان يحق للبلاغيين أن يهملوه في كتبهم و لهم في ذلك مندوحة بما قاله سيبويه، و الآمدي، و سوقهما للحجة بعد الحجة، و خلو القلب من الفائدة التي يلجأ اليها البلاغي لحسن البيان، أو قوة التأثير، و ما كان أغنانا عن الحديث عن القلب عند سيبويه باعتبار أنه ليس جديرا بهذه من ألوان البلاغة غير أننا رأينا السكاكي كما ذكرنا في صدر هذا الكلام يطنب في مدحه و يجعله مما يزيد الكلام ملاحة، و يصل به الي كمال البلاغة. و كيف يكون ذلك و نحن لانري فيه الا نوعا من التكلف السقيم، و التعقيد الشنيع الذي يؤدي الي اللبس من جهة، و يخفي الحسن من جهة أخري، و هو ان ترك أثرا في النفس فانما هو أثر الزهر فيه، و الانصراف عن سماعه، حتي ان بعض النقاد مثل قدامة و المرزباني قد اعتبرا القلب من عيوب ائتلاف المعني و الوزن معا في شعر العرب»(32)
القصرأما حديث سيبويه عن القصر فليس مسهبا، و انما هو مبتور بترا، فقد تحدث عنه بما لايتجاوز الأسطر الثلاثة، و ربما لم يتجاوز السطر الواحد في بعض المواضع، و رغم هذا الاختصار الشديد، فقد تحدث عنه بما يفيد، فهو يحدثنا عن قصر القلب، و قصر التعيين في عبارة قصيرة موجزة من خلال حديثه عن النعت يقول «و منه مررت برجل راكع لاساجد، لاخراج الشك أو لتأكيد العلم فيهما»(33) فسيبويه في هذا المقال يري أن المخاطب متردد في وصف الرجل بأحد الوصفين، الركوع أو السجود، فأراد مع المتكلم ازالة هذه الشك و هو ما سمي في عرف البلاغيين بقصر التعيين. أو أنه أراد أن يؤكد للمخاطب أن الرجل متصف بالركوع و ليس بالسجود و هذا ما سمي بعد ذلك بقصر القلب هذا فيما يختص بالقصر بأحد حروف العطف و هو (لا). أما حديثه عن بقية حروف العطف وصلتها بالقصر، فلم يكن فيها واضحا كل الوضوح و انما غلب غليه الطابع النحوي الصرف، و ليس البيان البلاغي الذي نتعقبه في هذا البحث.
القصر في اصطلاح البلاغيين هو تخصيص شي ء بشي ء بطريق مخصوص و سيبويه أفاد هذا المعني الاصطلاحي، فقد خصص ما قبل الا بما بعدها، و نفي ما سوي ذلك كما ذكر أداة القصر و هي النفي و الاستثناء غاية ما في الأمر أن سيبويه لم يذكر كلمة القصر، ولكنه أفاد معني القصر كاملاً، و هي تلك الفائدة التي تدخل في باب القصر، لما يؤديه هذا الضمير من التخصيص، أو تأكيد التخصيص. أما التقديم فهو عنده يفيد الاهتمام بأمر المقدم، أو العناية بشأنه، أو التنبيه له، و لا يفيد التخصيص. و من ثم فان سيبويه لم يتناول من طريق القصر غير النفي و الاستثناء و العطف، ولكنه لم يذكر شيئا عن ضمير الفصل، أو انما، أو التقديم علي أن واحدة منها تفيد القصر.
الفصل و الوصل:و في مواضع من الكتاب يتحدث سيبويه عن لون بلاغي آخر هو الفصل و الوصل كما نعرفه بصفة عامة، أو شبه كمال الاتصال كما نعرفه بصفة خاصة... و طبيعي أن سيبويه لم يذكر هذا المصطلح البلاغي في عمومه أو خصوصه، فذلك شي ء لم يعهد في زمنه، و انما عرف فيما بعد علي يد الفراء، ولكن الذي ذكره سيبويه هو ما يفيد شبه كمال الاتصال، و ان لم يصرح باسمه، (ففي باب بدل المعرفة من النكرة. و المعرفة من المعرفة، و قطع المعرفة من المعرفة مبتدأة) يقول أما بدل المعرفة من النكرة فقولك مررت برجل عبداللّه كأنه قيل له بمن مررت، أو يظن أنه يقال له ذلك فأبدل مكان من هو أعرف منه... و كذلك قول الشاعر:
و لقد خبطن بيوت يشكر خبطة
أخوالنا و هم بنو الأعمام


كأنه حين قال خبطن بيوت يشكر قيل له ما هم فقال اخوالنا و هم بنو الأعمام و قد يكون مررت بعبداللّه أخوك كأنه قيل له من هو أو من عبداللّه فقال أخوك... و تقول مررت برجل الأسد شدة كأنك قلت مررت برجل كامل، لأنك أردت أن ترفع شأنه، و ان شئت استأنفت كأنه قيل له ما هو»(34). (و في باب ما لا يعمل في المعروف الا مضمرا) يتحدث عن هذا الأسلوب أيضا في تقدير السؤال و الاجابة عنه يقول: «و أما قولهم نعم الرجل عبداللّه ، و عبداللّه نعم الرجل، كأنه قال نعم الرجل فقيل له من هو فقال عبداللّه ، و اذا قال عبداللّه فكأنه قيل له ما شأنه فقال: نعم الرجل»(35) و نلاحظ هنا أن سيبويه ضمن الجملة الأولي سؤالا و اعتبر الجملة الثانية جوابا لهذا السؤال المقدر، بل نلاحظ أنه نص أيضا علي أن الجملة الثانية استئناف، و الذي نعرفه من كتب المتأخرين أن هذا من مواضع الفصل، لأن الجملة الثانية فصلت عن الأولي كما يفصل الجواب عن السؤال، و يسمون هذا النوع شبه كمال اتصال، أو يسمونه استئنافا.
المجاز العقليو تناول سيبويه ذلك النوع الذي أطلق عليه المتأخرون المجاز العقلي أو المجاز الحكمي و رأي أنه توسع و اختصار في الكلام، و علي الرغم من تناوله هذا المجاز في مواضع متفرقة من الكتاب، الا أنها اذا جمعت تكاد تعطينا فكرة قريبة الي المجاز العقلي الذي نعرفه اليوم، و سنحاول هنا أن نبينها كما فسرها و نقلها عن لسان العرب، و نستهل ذلك بما ذكره في الكتاب بقوله: و تقول مطر قومك الليل و النهار علي الظرف... و ان شئت رفعته أي الليلُ و النهارُ علي سعة الكلام كما قيل صيد عليه و النهار، كما قال نهاره صائم، و ليله قائم، و كما قال جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السري
و نمت و ما ليل المطي بنائم


و كما قال الشاعر:
أما النهار ففي قيد و سلسلة
و الليل في قعر منحوت من الساج


فانه جعل النهار في قيد و الليل في جوف منحوت(36) فاسناد المطر الي الليل و النهار و اسناد الصيد كذلك، و الاخبار عن النهار بأنه صائم، و الليل بأنه قائم، و في بيت جرير حيث جعل الاخبار عن الليل بالنوم اتساعا و مجازا، والمعني و ما المطي بنائم في الليل، لأن الليل لاينام، و لايوصف بأنه نائم فهو ليس حيوانا و لا انسانا، فكان حقه اذن أن يقول بمنوم فيه. أما البيت الثاني فقد أخبر عن النهار بكونهن في سلسلة، وعن الليل باستقراره في جوف اتساعا و مجازا، و هذا كله يرد الي المجاز العقلي الذي عرف بهذا الاسم عن المتأخرين. و في موضع آخر يقول: «سرقت الليل أهل الدار فتجري الليلة علي الفعل في سعة الكلام كما قيل صيد عليه يومان... و المعني انما هو في الليلة، و صيد عليه اليومين غير أنهم أوقعوا الفعل عليه لسعة الكلام... و مثل ما أجري مجري هذا في سعة الكلام و الاستخاف قوله عزوجل بل مكر الليل و النهار، فالليل و النهار لايمكران ولكن المكر فيهما»(37) و واضح أن هذا من المجاز العقلي. و الآية الكريمة تدور في كتب البلاغة علي أنها من هذا الباب، و سيبويه حين يبسط هذا النوع من الكلام علي أنه اتساع في أكثر من موضع من كتابه، كأنه يحاول أن يقنعنا به، فهو يلح علينا في قبوله و الاعتراف به، و لايترك مناسبة الا ذكره (ففي باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعني) يقول صيد عليه يومان، و انما المعني صيد عليه الوحش في يومين، ولكنه اتسع و اختصر، و مثله بل مكر الليل و النهار»(38) و من ذلك قول الخنساء المشهور المتداول في كتب البلاغة علي أنه من شواهد المجاز العقلي يذكره سيبويه فيقول: «و من ذلك قول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتي اذا أدكرت
فانما هي اقبال و ادبار


فجعلها الاقبال و الادبار، فجاز علي سعة الكلام، كقولك نهارك صائم، و ليلك قائم(39) و ابن الأنباري يري في كلام الخنساء حذف المضاف فهي تريد انما هي ذات اقبال و ادبار(40). ولكن ابن جني لايؤيد هذا الرأي و يضعفه، فالخنساء تريد أن تصف ناقتها كأنها مخلوقة من الاقبال و الادبار و ليس علي حذف المضاف أي ذات اقبال و ذات ادبار. و يكفيني من هذا كله قول اللّه عزوجل «خلق الانسان من عجل» و ذلك لكثرة فعله اياه و اعتياده له(41) و نري عبدالقاهر ينقل قول الخنساء و يعتبره من المجاز الحكمي، و أن الخنساء لم ترد بالاقبال و الادبار غير معناها فتكون قد تجوزت في نفس الكلمة، و انما تجوزت في أن جعلتها لكثرة ما تقبل و تدبر، و لغلبة ذلك عليها و اتصاله بها، و أنه لم يكن لها حال غيرها كأنها قد تجسمت من الاقبال و الادبار و قلت انما هي ذات اقبال و ادبار لأفسدنا الشعر علي أنفسنا، و خرجنا الي شي ء مغسول، و الي كلام عامي مرذول... و هذا مما لامساغ له عند من كان صحيح الذوق، صحيح المعرفة، و نسابة للمعاني»(42) و قد استهشد الزمخشري بهذا البيت عن قوله تعالي «ولكن البرَّمن اتقي»(43) علي أن الاسناد مجازي، بدعوي أن المتقي هو عين البر بجعل المؤمن كأنه تجسد من البر و كان الزجاج يأبي غير هذا(44) فسيبويه قد نبه اذا علي هذا البيت، و مافيه من مجاز، و ان لم يضع له الاسم الاصطلاحي، ولكنه بذلك قدم للنحاة و البلاغيين مادة يتناولونها في كتبهم، و يتعهدونها بالشرح و التفسير، متابعين في ذلك رأي سيبويه، أو مخالفين له، و مهما يكن فان سيبويه قد أثري بهذه الملاحظة اليسيرة أبحاث البلاغة، حتي صار العلماء من بعده عالة عليه في هذا الباب، فالقول اذن بأن عبدالقاهر الجرجاني هو مبتكر المجاز العقلي(45) فيه كثير من التسامح، بل انه زعم يدحضه ما عثرنا عليه من أدلة من تعطي الأسبقية في تناول هذا الفن من الفنون البلاغة ليس الي كثير من النحاة الذين سبقوا عبدالقاهر فحسب، بل الي سيبويه أيضا.
البيانو في البيان تناول التشبيه، و الاستعارة بالكناية، و الاستعارة في الحروف، و المجاز بالحذف، و الكناية و ان كانت بمعناها اللغوي.
التشبيهو لم يقتصر حديث سيبويه في الكتاب علي ألوان المعاني، بل تناول أيضا بعض مباحث علم البيان، كالتشبيه و الاستعارة، و المجاز، و الكناية و غير ذلك، و عندما تناول التشبيه، و التمثيل منه بصفة خاصة، لم يتناوله منفردا بحيث قصد أن ينبه الي هذا النوع من التعبير، و انما تحدث عنه من خلال موضوع آخر و هو أن الكلام: منه ما يأتي علي جهة الاتساع و الايجاز. و ما فيه من اتساع و مجاز يشمل أبواب كثيرة بحيث يحتوي المجاز العقلي مثل قوله تعالي: «بل مكر الليل و النهار» و المجاز المرسل كقوله تعالي «و اسأل القرية» و التشبيه التمثيلي كقوله تعالي «و مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لايسمع الا دعاء و نداء» فهذه الخيوط الثلاثة يضمها عنده نسيج واحد هو الايجاز و الاتساع، أو هي صور من التعبير في اطار واحد. و الحق أن سيبويه عندما تحدث عن التشبيه ذلك اللون البلاغي المشهور تحدث عنه بطريقة بسيطة ساذجة لم يكن لها التأثير الكافي علي البلاغيين من بعده، بل اننا لو عقدنا مقارنة بين ما قاله سيبويه عن التشبيه و بين ما قاله المبرد مثلاً لوجدنا هوة واسعة عميقة بين نظرة الاثنين اليه. و علي الرغم من ذلك فلابد من القاء نظرة علي ما تركه سيبويه من ملاحظة علي فن التشبيه. (ففي باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعني لا تساعهم في الكلام و للايجاز و الاختصار)، يذكر سيبويه ألوانا من التعبير يطلق عليها هذا الوصف كالمجاز العقلي و المرسل ثم يقول: «و مثله في الاتساع قوله عزوجل: «و مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لايسمع الا دعاء و نداء» فلم يشبهوا بما ينعق، و انما شبهوا بالمنعوق به.»
و انما المعني مثلكم و مثل الذين كفروا كمثل الناعق و المنعوق به الذي لا يسمع، ولكنه جاء علي سعة الكلام و الايجاز لعلم المخاطب بالمعني(46)، فالآية فيها ايجاز، و المخطاب يعلم أن في الآية ايجازا. ولو لا هذه القرينة لماجاز الاتيان بالايجاز في الآية حتي لايغمض الأمر علي المخاطب. فمن غيرالمعقول أن يشبه الكافر بالداعي للايمان، و لا يجد من ينصت اليه أو يلبي دعوته. ولكن المعقول أن تشبه وعظ الكافرين الذين لا يستجيبون بدعوة الأغنام التي لا تعي، و من يسمع الآية يقفز الي ذهنه هذا المعني فيعلم أن في الآية اختصارا. و الزجاج يعقب علي ذلك بقوله «قال سيبويه: و هذا من أفصح الكلام ايجازا و اختصارا و يلتمس و جها آخر للايجاز فيقول، ولأن اللّه تعالي أراد أن يشبه شيئين بشيئين: الداعي و الكفار بالراعي و الغنم، فاختصره ولكنه اكتفي بذكر الكفار من المشبه، و الراعي من المشبه به فدل ما أبقي علي ما ألقي و هذا معني كلام سيبويه»(47)
و كتاب سيبويه لايخلو أيضا من ذكر بعض أدوات التشبيه فهو يروي لنا أنه «سأل الخليل عن كأن فزعم (أن) لحقتها الكاف للتشبيه ولكنها صارت مع أن بمنزلة كلمة واحدة»(48) كما يتحدث عن الكاف الزائدة» و أن ناسا من العرب اذا اضطروا في الشعر جعلوها بمنزلة مثل، قال حميد الأرقط فصيروا مثل كعصف مأكول.(49) فقصد المبالغة في التشبيه فجمع بين الكاف و مثل. فالقول اذن بأن «الجاحظ أول من تنبه الي أدوات التشبية كالكاف و كأن و مثل.(50) ظاهر الفساد. و يتحدث أيضا عن وجه الشبه و أن الطرفين لا يكونان متشابهين و متساويين في كل الأمور، و انما التشبيه ليس من كل وجه فيقول «و قد يشبهون الشي ء بالشي ء، و ليس مثله في جميع الأحوال و سنري ذلك في كلامهم كثيرا.(51) و هكذا يمكن القول بعد شرح التشبيه عند سيبويه و الكيفية التي أظهره بها، و تناوله لبعض أنواعه و أدواته بأن سيبويه قد أسهم بنصيب ما في باب التشبيه، و هو نصيب ضئيل الأثر زهيد القيمة، الا أننا نلتمس له العذر حيث انه كان يهتم بوضع القواعد العلمية النحوية، و ليس بارساء الأسس الفنية البلاغية حتي يحصي الأبواب، و يفصل فيها القول اذا صادفه لونا بلاغيا كالتشبيه أو غيره من فنون البلاغة.
الاستعارة في الحروف:و ننتقل الي التوسع في الحروف و هي كثيرة في اللغة، متعددة الجوانب، واسعة التصرف، و ينوب بعضها عن بعض في كثير من المواضع، مما يكسب اللغة ثراء، و مرونة و اتساعا، و قد استعملت حروف الجر استعمالاً كثيرا. حتي اننا لانسرف في القول اذا زعمنا أن كل حرف قد ورد في غير معناه. و كتاب مشكل القرآن لابن قتيبة يزخر بأمثلة تؤيد وجهة نظرنا فما من حرف الا و له شاهد من القرآن يبين استعماله بمعني آخر غير معناه الأصلي. ولكن الذي يهمنا هنا أن نقول ان الاستعارة في الحروف يشيع استعمالها لتؤدي أغراضا متنوعة و معاني مختلفة. و العرب حينما يتوسعون في استعمال الحروف انما يريدون تصوير معناها و أثرها في البيان و سيبويه قد لاحظ توسع اللغة في استعمال الحروف، و ركونها الي مواضع مختلفة غير المعاني التي وضعت لها. و يحتم علينا البحث أن نذكر استعمالات الحروف عند سيبويه، و ما دمنا نتحدث عن البلاغة في كتابه. و نحن نعلم «أن الحرف ان قرن بالملائم كان حقيقة و الا كان مجازا في التركيب».(52) و سيبويه يتحدث عن استعارة الحروف بنصاعة بيان حتي لايدع مجالاً للتأويل، أو التمحل في اثبات أن هذا النوع قد ورد في الكتاب، أو أن سيبويه قد تحدث عنه. اقرأ قوله: «أما علي: فاستعلاء الشي ء تقول هذا علي ظهر الجبل و هو علي رأسه. فيكون أن يطوي أيضا مستعليا كقولك مر الماء عليه و امررت يدي عليه. و أما مررت علي فلان فجري هذا كالمثل و علينا أمير كذلك، و عليه مال أيضا، و هذا لأنه اعتلاه، و يكون مررت عليه أن يريد مروره علي مكانه ولكنه اتسع. و تقول عليه مال و هذا كالمثل كما يثبت الشي ء علي المكان، كذلك يثبت هذا عليه، فقد يتسع هذا في الكلام و يجي ء كالمثل.(53) «فقوله مررت علي فلان، و علينا أمير، و عليه مال، و هذا لأنه شي ء اعتلاه واضح كل الوضوح في أن الاستعلاء ليس حسيا، و انما هو معنوي. فالدين يعلو عليهم. و الرجل يمر علي الرجل فكأنه ثبت علي مكانه و علاوه. و هذا اتساع في اللغة لا يدل علي المرونة في استعمال الألفاظ فحسب، و انما أيضا يبرز الصورة و يوضحها كل الوضوح. و يبين أثرها علي المعني. أما اجراء الاستعارة فليس يعنينا و لا يعني سيبويه و لا المتقدمين منها شي ء و انما هو من خصوصيات العلماء المتأخرين فقط لتسويغ وضع الحروف في غير مكانه. و كما تحدث سيبويه عن اتساع (علي) في معناها، تحدث أيضا عن (في)، و أنها تتسع في الكلام فيقول و انما (في) فهي للوعاء كقولك هو في الجراب، و في الكيس، و هو في بطن أمه كذلك هو في الغل لانه جعله اذا ادخله فيه كالوعاء له و كذلك هو في القبة و في الدار. و ان اتسعت في الكلام فهي علي هذا،و انما تكون كالمثل يجاء به يقارب الشي ء و ليس مثله»(54)، فالحرف في قوله «هو في الغل لأنه جعله اذ أدخله فيه كالوعاء له. فيه معني المجاز، لأنه مستعمل في غير الحقيقة، و لأن في متعلق معني الحرف: و هو الغل نوعا من التشبيه و المقاربة بين الشي ء و الشي ء حيث كان الغل لا يصلح للظرفية الحقيقة و هل تخرج الاستعارة في الحروف عن هذا المعني.
الاستعارة بالكناية،يذكر سيبويه الاستعارة بالكناية، كما يذكر قرينتها، و هي الاستعارة التخييلية يذكر ذلك نقلاً عن أحد الذين يثق بهم من العلماء و ربما كان الخليل. و اذا أردنا أن نكشف عن الاستعارة المكنية في هذا البيت لقلنا مثلاً: شبهت الخنساء الداهية بحيوان مفترس شديد البأس ثم حذف المشبه به، و رمز له بشي ء من لوازمه و هم الفم هنا قرينة الاستعمارة المكنية أو ما يجوز أن نطلق عليه أيضا الاستعمارة التخييلة. و سيبويه لم يكن وحده مدركا لهذا الفهم، بل أدركه معه نقل عنه، غير أنه لايعطي لما يدرك أسماء اصطلاحية، فهو يقول عن هذا البيت «فجعل للداهية التي حدثنا بذلك من نثق به»(55) و اذا أردنا الآن أن نضع اصطلاحها بلاغيا للداهية التي يكون لها فما، لما و دنا غير الاستعارة المكنية للداهية و الاستعارة التخييلية للفم. و ابن سنان الخفاجي يتعرض في الفصاحة لهذا البيت فيقول: و أنشد سيبويه:
و داهية من دواهي المنون
يرهبها الناس لا فالها


فجعل للداهية فما استعارة(56) و بذلك يكون سيبويه قد سبق غيره من العلماء في تناول هذين النوعين من الاستعارة أيضا. و عندما يتحدث سيبويه عن الكناية فلا عنها بالمعني الاصطلاحي المعروف بأنه «اللفظ الذي يراد به لازم معناه مع جواز ارادة ذلك المعني» و انما يريد بها المعني اللغوي فقط بأن يريد مجرد الخفاء و الستر حين يتكلم بشي ء و هو يريد غيره، أو كان جاهلاً باسم المحدث عنه. «و تقول العرب يافل... و انما بني علي حرفين، لأن النداء موضع تخفيف، و لم يجز في غير النداء لأنه جعل اسما لايكون الا كناية لمنادي و أما فلان فانما هو كناية عن اسم به المحدث عنه خاص، قد اضطر الشاعر فبناه حرفين في هذا المعني. قال أبوالنجم:(57)
في لجة أمسك فلانا عن فلفهنا فل و فلان بمعني واحد و هما كناية عن شخص معين لانعرف اسمه علي وجه التحديد، أو عن شخص مجهول، غير أن فل استعملت علي حرفين فقط، لأن النداء موضع تخفيف، و يجوز فيه ما لايجوز لغيره، و استعمل في البيت علي حرفين من غير نداء للضرورة، و في موضع آخر من الكتاب يذكر سيبويه أن كلمة فلان تستعمل أحيانا كناية للآدمي فهي مجردة من (آل) فتقول فلان، و ان استعملت كناية لغير الآدمي اقترنت (بأل) فتقول الفلان و يعبر عن ذلك بقوله «فاذا كنيت من غير الآدميين قلت الفلان و الفلانة، و الههن و الهنة، جعلوه كناية عن الناقة التي تسمي بكذا، و الفرس يسمي بكذا ليفرقوا بين الآدميين و البهائم»(58) فسيبويه اذا لم يكن يعرف الكناية الاصطلاحية، و لم يشر اليها اشارة تنبي ء عنها، و هو ما كنا نود أن نعثر عليه في كتابه، فاننا نلتمس العذر لسيبويه، لأن الكناية، الاصطلاحية لم تعرف تقريبا الا في نهاية القرن الثالث الهجري علي يد ابن قتيبة (ت 276 ه) و المبرد (285 ه) اللذين تحدثا عن أقسامها بصفة عامة أما قبل ذلك فكانت تستعمل في المعني اللغوي، و قلما نراها استعملت في معناها الاصطلاحي المعهود.
البديعو كتاب سيبويه لم يكن مقصورا علي ذكر أنواع من المعاني و البيان، بل تجاوز ذلك الي بعض ألوان من البديع في عرف المتأخرين، و أول هذه الألوان تأكيد المدح بما يشبه الذم، و قبل أن نخوض في هذا اللون البديعي ينبغي أن نمهد له فنقول: ان الاستثناء نوعان منه ما يتعلق باللغة، و يتمثل في استخراج القليل من الكثير، و هذا نطرحه الآن جانبا، لأنه لا يعنينا في دراسة البديع و ان كنا قد تناولناه و في علم المعاني باعتباره من أدوات القصر... نوع آخر يفيد فوق المعني اللغوي ما يزيد به الكلام حسنا و يستحق أن يدرج في أبواب البديع. و هذا هو الذي نتعرض له. فالاستثناء الفني الذي نطلق عليه «تأكيد المدح بما يشبه الذم» قد ورد في كتاب سيبويه فهو في باب (ما لايكون الا علي معني ولكن) من الاستثناء يذكر قول النابغة:
و لا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب


أي ولكن سيوفهم بهن فلول و يعقب الأعلم علي هذا البيت و يشرحه ليبين مقصد سيبويه و مراده فيقول «ان سيوفهم ليس بعيب، لأنه دال علي الاقدام، و مقارعة الأقران. فالنابغة مدح آل جفنة ملوك الشام فنفي عنهم كل عيب، و أوجب لهم الاقدام في الحرب، و استثني ذلك من جملة العيوب مبالغة في المدح و هو ضرب من البديع يعرف بالاستثناء. فثلم السيوف و تفللها ليس عيبا حتي نخرجه من الشطر الأول من البيت، و لذلك فقد نبه سيبويه علي أن الاستثناء منقطع بمعني لكن. و هذا البيت مشهور قد تداوله العلماء في تصانيفهم، و قد أورده علماء البديع شاهدا علي تأكيد المدح بمايشبه الذم، فانه نفي العيب عن هؤلاء القوم علي جهة الاحاطة ثم أثبت لهم ما يوهم أنه عيب و هو تكسر السيوف في مضاربة الأعداء و هذا ليس بعيب، بل هو غاية المدح، و من ثم فقد أكد المدح بما يشبه الذم أي أنه مدح في صورة ذم. و قد يكون أوضح في التدليل علي أن سيبويه قد عرف هذا اللون البديعي ما عقب به علي بيت النابغة الجعدي:
فتي كَمُلت خيراته غير أنه
جواد فما يبقي من المال باقيا


فيقول «كأنه قال ولكنه مع ذلك جواد».(59) فواضح أن سيبويه يفهم من البيت أن الشاعر يضيف للممدوح صفة مدح الي صفة مدح و لا يسلبها عنه. و في ذلك تأكيد للمدح، و ان فهم من ظاهر الاستثناء أنه ذم و ليس مدحا. و قال الأعلم عن هذا البيت هو مثل ما قاله عن بيت النابغة الذبياني «فهوم استثني جوده و اتلافه للمال من الخيرات التي كملت له مبالغة في المدح فجعلها في اللفظ كأنهما من غير الخيرات كما جعل تفلل السيوف كأنه من العيوب.(60) و هذا البيت أيضا من شواهد علماء البلاغة علي أنه من البديع، و يدخل تحت باب تأكيد المدح بما يشبه الذم... ولو طالعنا كتاب البديع لابن المعتز لو جدنا قد اعتبر النوع الخامس من المحسنات... تأكيد المدح بما يشبه الذم... و استشهد بهذين البيتين اللذين ساقهما سيبويه و اقتصر عليهما دون غيرهما، و بطبيعة الحال لم يشر الي سيبويه أية اشارة، و ان كان قد أشار الي الخليل في بابي التجنيس و المطابقة.
التجريدو سيبويه كما تحدث عن المدح الذي يشبه الذم، تناول كذلك التجريد و حديثه عن التجريد لا ينقع الغلة، و لايطفي ء الظما الي معرفته كلية، و انما ذكره في ايجاز شديد، و بمثال و احد، و رغم ذلك فان العلماء لم يهملوا رأي سيبويه، بل نقلوه في كتبهم و نسبوه اليه (ففي باب ما يختار فيه الرفع و يكون فيه الوجه في جميع اللغات) يقول سيبويه «ولو قال أما أبوك فلك أب لكان علي قوله فلك به أب أو فيه أب، و انما يريد بقوله فيه أب: مجري الأب علي سعة الكلام»(61) فقوله لك به أب، أو لك فيه أب، نوع من التجريد الذي يكون الانتزاع فيه بالباء أو بفي كقولهم لئن سألت فلانا لتسألن به البحر، أو كقوله تعالي «لهم فيها دار الخلد». و ابن جني يردد هذا النوع الذي تستعمل فيه الباء من التجريد الي سيبويه حيث يقول «و منه مسألة الكتاب أما أبوك فلك أب: أي لك منه، أو به، أو بمكانه أب».(62) و ما فعله ابن جني من اشارة الي وجد هذا النوع من التجريد و تفسيره في كتاب سيبويه قد فعله الزجاج أيضا.(63) و في هذا ما يبين مدي أهمية الكلمة الموجزة التي يطلقها سيبويه، لأنه لا يطلق الكلمة الا في دقة، و بعد تحديد، و ما علي العلماء بعد ذلك الا النقل و التفسير.
فالفكرة التي كان سيبويه يرعاها و يصدر عنها في تنويع مباحث النحو، و ترتيب أبوابه كما تمثلت لي بالنظر و المراجعة في الكتاب، مدارها العامل أولاً و أخيرا: نظر في الجملة حين تكلم عن المسند و المسند اليه، فاذا هي فعلية و اسمية... ثم تكلم عن الفعل المحذوف و الفعل المذكور و المتعلقات... ثم صار الي الجملة الاسمية فتكلم عن الابتداء و نواسخه. و يبدو أن النسق الذي أخذ به سيبويه هو الذي ألهم علماء المعاني فكرة انحصار مباحثه في أبوابه الثمانية المعروفة. و ليس يسع المرء و هو يقرأ كلامهم في ذلك ال أن يتبين اقتباسهم منه، و اقتداء هم بهداه».(64) و الأبواب الثمانية التي تنحصر فيها مباحث علم المعاني هي أحوال الاسناد الخبري، و المسند اليه، و المسند، و متعلقات، الفعل، والقصر، و الانشاء، و الفصل، و الوصل، و الايجاز، و الاطناب و المساواة، لأن علماء المعاني بطبيعة الأمر قد اعتمدوا في مباحثهم علي المسند والمسند اليه. و ما يتبع ذلك من بقية الأبواب الأخري. و هذا النهج الذي ساروا عليه لم يكن معروفا عند علماء النحو وقت تحديد العلوم و تقعيد القواعد، و انما الطريق الذي سلكه النحاة في ذلك الوقت ينحصر في أثر العوامل و ما يعقبها من حركات الاعراب، و ما فيها من رفع و نصب و خفض و جزم و ليس الي العوامل نفسها. و هذا النهج مخالف لنهج سيبويه الذي حصر اهتمامه بالعمل نفسه فتولدت عنه هذه الأقسام و انتفع بها البلاغيون بعد ذلك في وضع علم المعاني، و حصر أبوابه.(65)
و هكذا في مواضع كثيرة من الكتاب نجد سيبويه يتناول تأليف العبارة، و تركيب الكلمات، و ما فيها من صحة و حسن، أو ما يطرا عليها من فساد و قبح. و لا نستطيع هنا أن نتعقب كل ما شرح سيبويه، و أطنب في شرحه، و زاده تفصيل بعد تفصيل، مما يتصل بالنظم، أو توخي مراعاة معاني النحو، فذلك يحتاج الي بحث خاص يتفرغ له أحد الباحثين، و انما يكفي أن نشير هنا الي أن سيبويه قد أدراك معني نظم الكلام، و أن النحو عنده لم يكن مجرد اعراب لأواخر الكلمات، و ما فيها من رفع، و نصب، و خفض، و جزم، بل كان النحوعن البلاغة فتمزقت أوصال العلمين، و كان هذا الفصل جناية عليهما معا. و بعد فاذا كان عبدالقاهر هو الذي ينسب اليه ابتكار نظرية النظم، لانّه بسطها وفصلها وطبقها علي ابواب جمة من البلاغة فان سيبويه هو الذي أمسك المصباح بكلتايديه، و أنار الطريق أمام عبدالقاهر، و هداه الي الغاية المنشودة، أو بعبارة أخري اذا كان النظم قد أصبح علي يد عبدالقاهر بمثابة شجرة عظيمة، شاهقة، متعددة الأغصان، مثقلة بالثمار. فان سيبويه هو الذي القي البذرة قبل أن تبرز الشجرة أمام العيون بمئات السنين.
الخاتمةو لا شك أن هذه المسائل البلاغية التي طرقها سيبويه في كتابه تشكل كثيرا من أبواب البلاغة، و لذلك فان كثيرا من العلماء الذين يعتد بهم في تاريخ البلاغة قد اغترف من هذا البحر الزاخر دون أن ينضب له معين، و منهم من يعترف بأنه استقي من كتاب سيبويه بعض مسائلة البلاغة كعبد القاهر، و منهم من يغفل ذلك اغفالاً تاما كابن المعتز و أبي هلال العسكري، ولكنا نكتفي بأن نشير في ايجاز الي أن عبدالقاهر قد استأنس بسيبويه في كثير من مباحثه كالتقديم و التاخير،و المجاز بالحذف، و المجاز و العقلي و التشبيه التمثيل. ابن المعتز ينقل عنه تأكيد المدح، و ابن جني يذكر مسألة الكتاب في التجريد، و أبو هلال العسكري يأخذ عنه تقسيم الكلام الي مستقيم حسن، و محال، و مستقيم كذب، و مستقيم قبيح، و محال كذب، و يذكر أمثلته بعينها و لايشير اليه، و كلام سيبويه عن المسند و المسند اليه قد أوحي الي العلماء حصر علي المعاني في الأبواب البلاغية الثمانية المعروفة. و غير ذلك مما لاينكر أثره و من ثم فان لسيبويه في البلاغة جهدا مشكورا، و بلاء مرفورا حيث ألقي بذورا طيبة في أرض خصبة نمت و ترعرعت بمرور الزمان علي أيدي العلماء حتي بلغت تمام النضج علي يدي عبد القاهر الجرجاني.
المنابع و المصادرأحمد بدوي، أسس النقد الادبي عن العرب، نهضة مصر ط 2.
ابن الانباري ابو البركات الانصاف في مسائل الخلاف، للسعادة ط 3
الانباري محمدبن القاسم الاضداد الكويت 0619
البغدادي خزانة الادب دار الكاتب العربي
التفتازاني سعدالدين المطول 1330.
الجاحظ البيان و التبيين الخانجي 0619
الجرجاني الوساطة بين المتنبي و خصومه عيسي الحلبي ط 3
ابن جني الخصائص دار الكتب 4195
ابن المعتز البديع دارالجيل بيروت 1990
الزجاجي اعراب القرآن المؤسسة المصرية العامة للتاليف و الترجمة و النشر 3619.
زكي مبارك مصطفي الموازنة بين الشعراء البابي الحلبي القاهرة 6193
الزمخشري الكشاف الاستقامة ط 2
السكاكي مفتاح العلوم مصطفي الحلبي
سيبويه الكتاب الامرية
السيوطي المزهر عيسي الحلبي
شوقي الضيف النقد دار المعارف 8619
شروح التلخيص، سكاكي بيروت دار السرور
الشهرستاني الدلائل و المسائل مطبعة النجاح بغداد 1958
عبدالقاهر الجرجاني دلائل الاعجاز المنار ط 1
عبدالقاهر الجرجاني أسرار البلاغة
علي النجدي ناصف سيبويه امام النحاة نهضة مصر
قدامة نقد الشعر المليجية 4193
قدامة نقد النثر لجنة التاليف و الترجمة و النشر 1937
المرزباني الموشح دارالفكر العربي القاهرة 1358
الهوامش


--------------------------------------------------------------------------------

1. خزانة الادب 1/371
2. الخصائص 2/312
3. المزهر 2/054
4. سيويه امام النحاة علي النجدي الناصف 158-159
5. الكتاب 1/22
6. الكتاب 1/27
7. الكتاب 1/411
8. الكتاب 1/17
9. الكتاب 1/109
10. الكتاب 1/33
11. أسرار البلاغة584
12. الكتاب 1/137
13. الكتاب 1/283-428
14. اعراب القرآن1/292 .628
15. الكتاب 1/941
16. الكتاب 1/412
17. الكتاب 1/203
18. الكتاب 1/92
19. الكتاب 1/14-15
20. الكتاب 1/41
21. الكتاب 1/16
22. الكتاب 1/834
23. الخصائص 1/298
24. المنهاج الواضح: حامد عوني 135
25. الكتاب 1/319، 318
26. خزانة الأدب 2/261
27. الكتاب 1/325
28. المفتاح 1/27
29. الكتاب 1/92
30. الوساطة 946
31. الموازنة انظر 1/207 210
32. الموشح 128، نقد الشعر 130
33. الكتاب 1/213
34. الكتاب 1/622، 225
35. الكتاب 1/300.
36. الكتاب 1/80
37. الكتاب 1/89
38. الكتاب 1/108
39. الكتاب 1/961
40. الاضداد 942 لابن الانباري.
41. الاضداد 942 لابن الانباري
42. الدلائل 233 235
43. الكشاف 1/361 الزمخشري
44. الخزانة 1/314.
45. مقدمة نقد النثر 29، النقد 95 شوقي ضيف
46. الكتاب 1/109، 108
47. اعراب القرآن 1/74.
48. الكتاب 1/474
49. الكتاب 1/203.
50. البلاغة عند السكاكي 310
51. الكتاب 1/93
52. المزهر 1/063 السيوطي
53. الكتاب 2/310
54. الكتاب 2/303
55. الكتاب 1/159
56. سرالفصاحة 31 ابن سنان
57. الكتاب 1/333
58. الكتاب 2/841
59. الكتاب 1/762
60. لبديع لابن المعتز ص 496 ضمن كتاب ابن المعتز و تراثه في الأدب و النقد و البياند. خفاجي
61. الكتاب 1/195
62. الخصائص 2/754
63. اعراب القرآن 2/566
64. سيبويه امام النحاة 178 180
65. شروح التلخيص 1/361، 261

الأربعاء، 17 أغسطس، 2011

من بلاغة القرآن الكريم: تعدد المعاني واللفظ واحد


في اللغة العربية كلمات وألفاظ، يدل كل لفظ منها على معان مختلفة، يحددها السياق الذي وردت فيه؛ فمثلاً، لفظ: ( العين ) يطلق على العين الباصرة، ويطلق على الشمس، ويطلق على عين الماء، ويطلق على الجاسوس، ويطلق على معان أُخر .
وظاهر اللفظ القرآني ما يتبادر منه إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه؛ فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق معين، ومعنى آخر في سياق مختلف، وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه، ومعنى آخر على وجه غيره؛ فمثلاً لفظ ( القرية ) في قوله تعالى: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة } (الإسراء:58) يراد بها القوم، واللفظ نفسه في قوله سبحانه على لسان ضيف إبراهيم: { إنا مهلكوا أهل هذه القرية } (العنكبوت:31) يراد بها مساكن القوم، وسياق الآيتين هو الذي حدد المعنى المراد وعينه .
والذي يعنينا من هذه الظاهرة القرآنية اللغوية هنا، أن نبين أنه وردت في القرآن الكريم ألفاظ، اختلفت معانيها وفق السياقات والسباقات التي وردت فيها؛ فقد يسبق للذهن منها عند الوهلة الأولى غير ما هو مراد منها؛ ولكن إذا أمعنا النظر في ذلك اللفظ على ضوء السياق والسباق الذي جاء به، استطعنا أن نفهم المقصود من ذلك اللفظ، وبالتالي فهم الآية بناء على ذلك؛ وبمثال آخر يزداد الأمر بيانًا، فنقول:
لفظ ( الأمة ) ورد في القرآن الكريم في تسعة وأربعين موضعًا، وبعدة معان مختلفة، وفق السياق الذي ورد فيه، ولتوضيح ذلك يحسن بنا أن نلقي نظرة سريعة على بعض السياقات القرآنية التي ورد فيها هذا اللفظ فنقول:
الأَمُّ في اللغة، بفتح الهمزة: القصد؛ تقول: أمَّه يؤمُّه أمًّا، إذا قصده. والتيمم بالصعيد في قوله تعالى: { فتيمموا صعيداً طبيًا } (المائدة:6) مأخوذ من هذا .
و ( الإِمَّة ) و( الأُمَّة ) بكسر الهمزة وبضمها: الحالة والشِّرْعَة والطريقة، ومنه قوله تعالى: { إنا وجدنا أباءنا على أمة } (الزخرف:23) أي: كانوا على دين وشِرعة لا يحيدون عنها .
ونقرأ أيضًا قوله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس } (آل عمران:110) أي: كنتم خير أهل دين جاء للناس .
و ( الأُمَّة ): القرن من الزمن - بمعنى الفترة الزمنية - يقال: قد مضت أمم، أي قرون وسنون؛ ومنه قوله تعالى: { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة } (هود:8) أي: إلى وقت مقدر ومحدد .
وأمة كل نبي: من أرسل إليهم، من كافر ومؤمن؛ قال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً } (النحل:36) .
و ( الأُمَّة ): الجيل والجنس من كل حي، وفي التنـزيل قوله تعالى: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أُمَمٌ أمثالكم } (الأنعام:38) وكل من الحيوان أمة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ) رواه أحمد .
وكل من كان على دين مخالفًا لسائر الأديان، فهو أمة وحده؛ ومنه قوله تعالى: { إن إبراهيم كان أمة } (النحل:120) وهذا على رأي بعض المفسرين، وقال آخرون: إن ( أمة ) هنا بمعنى الإمام والقدوة .
و ( الأمَّة ): الحين من الزمن، ومنه قوله تعالى: { وقال الذي نجا منهما وأدكر بعد أمة } (يوسف:45) أي: بعد حين من الزمن .
و ( الأمَّة ): الجماعة، ومنه قوله تعالى: { وإذ قالت أمة منهم } (الأعراف:164) أي: جماعة .

و ( أُمُّ ) كل شيء: أصله وعماده، وفي التنـزيل قوله سبحانه: {هن أم الكتاب } (آل عمران:7) أي: أصله وأساسه الذي يرجع إليه عن الاشتباه؛ وقوله: { وإنه في أم الكتاب لدينا } (الزخرف:4) أي: في اللوح المحفوظ، إذ هو الأصل الذي نزل منه القرآن .
و ( أم الرأس ): الدماغ، وبه فسر قوله تعالى: { فأمة هاوية } (القارعة:9) قيل: معناه ساقط هاوٍ بأم رأسه في نار جهنم؛ وعبر عنه بأمه، يعني دماغه، روي نحو هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره .
و ( الإمام ) في قوله تعالى: { وإنهما لبإمام مبين } (الحجر:79) - وهو من اشتقاقات لفظ الأمة - يعني الطريق الواضح البيِّن .
ثم إن لهذا اللفظ ( أمم ) معان أُخر، ذكرها أصحاب قواميس اللغة، أعرضنا عنها مخافة الإطالة، واقتصرنا لك من معاني الكلمة على ما جاء في القرآن فحسب .
فتحصَّل من مجموع ما تقدم - أخي الكريم - أن ألفاظ القرآن الكريم ليست ذات دلالة واحدة لا تخرج عنها أينما وردت، بل إن العديد من تلك الألفاظ تحمل دلالات عدة ومختلفة، يحددها السياق والسباق القرآني الذي وردت فيه، ومن هنا تظهر لك أهمية فهم اللفظ القرآني على ضوء سياقه وسباقه الذي ورد فيه، وفي إطار متقدمه ومتأخره، ولا ينبغي أن يفهم اللفظ القرآني مقطوعًا عن سياقه وسباقه، ومبتورًا عن متقدمه ومتأخره، ففي ذلك ما فيه من الإخلال في الفهم، والبعد عن القصد، والتجافي عن الصواب .

الاثنين، 4 يوليو، 2011


جماليات التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الْفَاصِلَةِ الْقُرْآنِيَّةِ


دكتور


أسامة عبد العزيز جاب الله


مدرس البلاغة والنقد الأدبي


كلية الآداب – جامعة كفر الشيخ


Ibnmonkz2005@yahoo.com


للنص القرآني خصوصية متفردة في شتى أركانه وفي جميع نطاقات عمله ، في تراكيبه وجمله ، في كلماته ومفرداته ، في سوره وآياته ، في نظمه ، في رسمه ، في تقسيم الآيات ، في فَصْله ووصْله ، في بلاغاته ، في نهاية آياته ( فواصله ) ، في كل ما يتعلق به . هذا التفرد والتميز لابد من البحث في وسائله وسبله ، للوقوف على نطاقات الإعجاز فيه ، ومدارات الخصوصية لهذا النص الفريد .ومن بين هذه الإعجازات ، الإعجاز في توظيف الفواصل القرآنية ، تلك الفواصل التي تحوي ألواناً إعجازية ودلالية بالغة الجمال ، ورائقة السياق مما يمنحها رخصة الاشتراك في الإسهام في منظومة الإعجاز القرآني بكل تأكيد وفاعلية .


هذا وقد تعددت تعريفات الفاصلة القرآنية كما يلي :   


 ففي الاصطلاح اللغوي لها : الفصل : بونْ ما بين الشيئين . والفصل من الجسد : موضع المفصل ، وبين كل فصلين وصل . والفاصلة : الخرزة التي تفصل بين الخرزتين في النظام . وعقد مفصل أي جعل بين كل لؤلؤتين خرزة . الفصل : القضاء بين الحق والباطل . والتفصيل : التبيين (1) .


ويعد الخليل بن أحمد الفراهيدي أول من أشار للمصطلح كما هو إذ يقول : " سجع الرجل ؛ إذا نطق بكلام له فواصل كقوافي الشعر من غير وزن كما قيل : " لصّها بطل ، وتمرها دقل ، إن كَثُرَ الجيش بها جاعوا ، وإن قلوا ضاعوا " (2). فهو هنا يشير إلى ( الفواصل ) الكلامية غير الموزونة ، ويدخل فيها بالطبع الفواصل القرآنية .


وخلاصة الرأي اللغوي فيما يخص الفاصلة ، أنها الفصل بين شيئين متصلين ، ويدور ذلك المعنى في ثنايا التخريجات اللغوية . أما الفاصلة في الاصطلاح فتعددت تعريفاتها بتعدد مشارب العلماء ، ومن هذه التعريفات :


ما يراه الرماني ( ت386 هـ) من أن " الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع ، توجب حسن إفهام المعاني ، والفواصل بلاغة ، والأسجاع عيب ، وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني ، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها " (3) .


فهو هنا يؤكد على دور الفاصلة في المعنى ، بالإضافة إلى دورها في الإيقاع المتولد من المقاطع   المتشاكلة . إلا أن كلمة الرماني ( والأسجاع عيب ) جعلته مقصدا للنقد خاصة من جانب ابن سنان الخفاجي الذي رأى في هذا الرأي تعميما غير مقبول ، فرد على الرماني بقوله : " أما قول الرماني : إن السجع  عيب ، والفواصل بلاغة على الإطلاق فغلط ، لأنه إن أراد بالسجع ما يكون تابعا للمعنى ، وكأنه غير مقصود ، فذلك بلاغة ، والفواصل مثله . وإن كان يريد السجع ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلف فذلك عيب ، والفواصل مثله " (4) . فالخفاجي في رده هذا إنما يحفظ للمبدع حقه ، ويصون النص القرآني عما قد يظنه ظان من التشابه بين فواصله وأسجاع المتكلمين .


والباقلاني يعرف الفواصل بأنها : " حروف متشاكلة في المقاطع ، يقع بها إفهام المعاني " (5 ) .


 وأبو عمرو الداني ( ت444هـ) يجعل الفاصلة : " كلمة آخر الجملة " (6) .


ويعود الداني ليفرق بين ( الفاصلة ) و ( رؤوس الآي ) بقوله : " أما الفاصلة فهي الكلام المنفصل مما بعده ، والكلام المنفصل قد يكون رأس آية ، وغير رأس . وكذلك الفواصل يكن رؤوس آي وغيرها . وكل رأس آية فاصلة ، وليس كل فاصلة رأس آية . فالفاصلة تعم النوعين ، وتجمع الضربين " (7) .


ونلمح هنا أن الداني يؤكد على مبحث " الوقف " القرآني ، فقد يكون الوقف داخل آية ، فهو عندئذ ليس بفاصلة . أما إذا انتهت الآية ، فالفاصلة هنا رأس آية . إذن الفاصلة عنده على نوعين هما :


1 – فاصلة داخلية : تقع في داخل الآيات ، وهي خاضعة لأحكام الوقف والابتداء .


2 – فاصلة خارجية : وهي ما يسمى عنده ( رأس الآية ) ، وهي خاتمة الآية .


ويرى الزركشي أن "الفاصلة هي كلمة آخر الآية،كقافية الشعر،وقرينة السجع" (8) . ويضيف الزركشي إلى هذا التعريف رأيا يوضح فيه موضع ومقام الفاصلة إذ يقول : " تقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام بها . وهي الطريقة التي يباين بها القرآن سائر الكلام ، وتسمى فواصل ، لأنه ينفصل عندها الكلام ، وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها أخذا من قوله تعالى: ) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ((9 ) ولم يسموها أسجاعا ، ولا يجوز تسميتها قوافي إجماعا "  (10) .  


إن مقصد الزركشي هنا هو الإشارة إلى كون الفاصلة حالة خاصة بالنص القرآني وأحد نطاقات إعجازه وتميزه وتفرده عما سواه . والواضح الجلي من هذه التعريفات السابقة هو اتفاقها على :


1- كون الفاصلة هي خاتمة الآية وآخرها .


2- كون الفاصلة متشاكلة المقاطع إيقاعاً .


3- لها دور في تحسين الكلام ، وهذا هو جوهر عملها .


والسؤال الآن : كيف يمكننا معرفة الفاصلة القرآنية ؟! والإجابة عند السيوطي في كتابه ( الإتقان ) إذ ينقل لنا من كتاب " أحكام الرأي في معرفة فواصل الآي " للجعبري الذي ضاع ولم يصلنا ، ونقل منه السيوطي نصوصا ، هي ما بين أيدينا في كتاب " الإتقان في علوم القرآن " .


 ينقل السيوطي لنا طريقتين لمعرفة تواصل الآيات هما : الأولى : توفيقية : أي ما ثبت من كونه r وقف عليه ، فتحقق أنه فاصلة بلا شك . من ذلك ما رواه أبو داود عن أم سلمة لما سئلت عن قراءة رسول الله r قالت : " كان يقطع قراءته آية آية . وقرأت :( بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ) (11 ) .


والمستفاد من الحديث السابق هو كون فعله r هو المحدد للوقف في النص القرآني . أما الطريقة الثانية ؛ فهي قياسية ؛ أي اتباع أحكام الوقف في النص القرآني . لكن ليس كل وقف في القرآن ( فاصلة ) ، فالقرآن كله مبني على الوصل لا الوقف والفصل  ، ومن ثم كان لابد من طرق ووسائل لمعرفة القياسي من الفواصل . هذه الطرق والوسائل تنبع من النص القرآني ذاته ، إذ يقاس على المنصوص عليه ، فيلحق به ، وذلك للمناسبة ، ولا شيء في ذلك . ولذا سميت هذه الطريقة ( بالقياسية ) .


أنواع الفواصل القرآنية :


 تتنوع الفواصل القرآنية بحسب مداخل خمسة هي (12) :


1- أنواعها من حيث حرف الروي ( الحرف الأخير من الفاصلة ) .


2- أنواعها من حيث طول الفقرة المبنية عليها .


3- أنواعها من حيث موقع الفاصلة .


4- أنواعها من حيث مقدارها من الآية .


5- أنواعها من حيث الوزن .


ونفصل القول في كل مدخل على حدة كما يلي :


أولاً : أنواع الفواصل من حيث حرف الروي :


  الروي هو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة وتنسب إليه . والروي يلتزم بعينه في سائر أبياتها . يقول ابن رشيق : " حرف الروي الذي يقع عليه الإعراب ، وتبنى عليه القصيدة ، فيتكرر في كل بيت وإن لم يظهر فيه الإعراب لسكونه " (13)


هذا في جانب الشعر ، أما في النص القرآني فلم تلتزم الآيات حرف روي واحد ، وإنما كان تنوعها من مناطات إعجازها . وقد تنوعت الفاصلة القرآنية حسب حرف الروي إلى ثلاثة أنواع هي :


1- المتماثلة (14 )  : وهي التي تماثلت حروف رويها ، مثل قوله تعالى : ) وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رِقٍّ مَنْشُورٍ( سورة الطور الآيات ( 1 ، 2 ، 3 ) .


2- المتقاربة (15) : وهي المبنية على حروف متقاربة المخارج صوتيا ، مثل قوله تعالى :  )الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّين (سورة الفاتحة الآيتان ( 2 ، 3 ) ( فالميم ) و( النون) متقاربان في المخرج .


3- المنفردة : وهي نادرة ، فلم تتماثل حروف رويها ، ولم تتقارب ، مثل : فاصلة آخر آية في سورة الضحى ، قال تعالى: ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ( سورة الضحى آية (12) . فهي على حرف ( الثاء ) وما قبلها على حرف ( الراء ) فلا تماثل ولا تقارب هنا .


 ويلاحظ أن أغلب فواصل القرآن على النوعين الأول والثاني من حروف الروي . ويرى د . محمد الحسناوي أن : " الفواصل المتماثلة تشيع في الآيات والسور المكية ، على حين تغلب المتقاربة على الآيات المدنية " (16 ) . ولعل مرد ذلك هو تحقيق الجذب الإيقاعي والموسيقي عن طريق هذا التماثل في الفواصل في صدر الإسلام ، ليحقق هذا الإيقاع نوعا من الإبهار ، ومن ثم يذوق الكفار حلاوة النص،فيدخلوا في دين الله أفواجا .


ثانياً : نوع الفاصلة من حيث طول الفقرة :


   يقصد بالفقرات في القرآن ( الآيات ) ، وهي على ثلاث أنواع (17) :


1- قصير موجز : وهو ما يتكون من لفظ واحد ، أو من عدد من الحروف كقوله تعالى :)الرَّحْمَنُ (الرحمن آية (1) ، و)الْحَاقَةُ( الحاقة آية (1) ، و)ألَم( البقرة آية (1) .


2- متوسط معجز : وهو ما تكون من لفظين ، مثل قوله تعالى : )وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى( سورة النجم الآيتان رقم ( 1 ، 2 ) .


3- طويل مفصح مبين : وهو بقية آيات القرآن ، إذ قد تصل آية ما إلى ( عشرين لفظا ) مثل قوله تعالى :  )وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( هود( 9 ، 10 ) .


 ثالثاً : نوع الفاصلة من حيث موقعها :


 ويقصد بموقع الفاصلة هنا أن هناك كلمات في الآية تتشاكل وتتماثل مع الفاصلة الأخيرة فيها . هذا التماثل يمنح هذه الكلمات الداخلية صفة ( الفاصلة الداخلية ) . وعلى هذا الأساس تقسم الفاصلة إلى :


1- الفاصلة الداخلية : وهي ما يسميها البلاغيون مثل ابن حجة ( بالتشريع ) ومعناها : أن يبني الشاعر بيته على وزنين من أوزان العروض ، فإذا أسقط جزءاً أو جزئين صار الباقي بيتا من وزن آخر (18) .


2- الفاصلة الخارجية : وهي مناط الفائدة ، ومحور الآيات .


وتقسم الفاصلة الداخلية قسمين هما :


الأول : داخلية متماثلة ، مثل قوله تعالى : ) فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ( سورة الروم آية ( 7 ) ، فالتماثل هنا واضح بين الفاصلة الداخلية ( تمسون ) والفاصلة الخارجية ( تصبحون ) من حيث الاتفاق في حرف الروي ( الواو والنون ) .


والثاني : داخلية متباعدة ، وعليها قوله تعالى : )اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( سورة المائدة آية رقم (101) ، فالفاصلة الداخلية هنا ( العقاب ) غير متماثلة تماما مع الفاصلة الخارجية (رحيم) .


رابعاً : نوع الفاصلة من حيث مقدارها من الآية :


والمقصد هنا يقوم على كون الفاصلة آية أو بعض آية وعليه بقية آيات القرآن . ويمكن أن ندمج هذا النوع في النوع الثاني المتعلق بتقسيم الفاصلة حسب طول الفقرة ، إذ أنهما يتمحوران حول جزئية متحدة لا جديد في هيكلها .


خامساً : نوع الفاصلة من حيث الوزن :


وهذا النوع ينحو منحى التقسيم الوارد في السجع ، وخاص به . لكننا هنا لا نمنع إقامة الفواصل على مثل هذا التقسيم إمعانا في إثبات تفرد القرآن على غيره ، واشتماله على ما في كلام العرب ، بل وزيادة عليه . وتقسم الفاصلة حسب الوزن إلى (19) :


1- المطرفة : وهي ما اتفقت في حروف الروي لا الوزن ، مثل قوله تعالى : ) مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ( سورة نوح الآيتان ( 13 ، 14 ) فالكلمتان ( وقارا ) و ( أطوارا ) متفقتان في   (الروي) ومختلفتان في (الوزن) فالأولى على (فَعَالا) والثانية على ( أفْعَالا ) .


2- المتوازية : وهي ما اتفقت في حروف الروي والوزن ، مثل قوله تعالى : ) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ( الغاشية ( 13 ، 14) ، فالكلمتان ( مرفوعة ) و( موضوعة ) متفقتان في حرف الروي والوزن .


3- المتوازنة : وهي ما اتفقت في الوزن دون حرف الروي ، مثل قوله تعالى : ) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيّ مَبْثُوثَةٌ ( سورة الغاشية الآيتان ( 15 ، 16 ) ، فالكلمتان ( مصفوفة ) و ( مبثوثة ) متفقتان في   ( الوزن ) على وزن ( مَفْعُولة ) دون حرف الروي فهما مختلفتان فيه .


4- المرصعة : وهي تقابل الآيتين بكل مفرداتهما واختلافهما . فالأساس هنا لابد وأن يشتمل على تقابل ( الوزن ) و( التقفية ) و( الدلالة ) ، وعليه قوله تعالى : )إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ( سورة الغاشية الآيتان رقم  ( 25 ، 26 ) فالتشريح التركيبي يجعل شكل الآيتين هكذا :


(   إن / إلينا  /      إيابهم ) .


(   إن  /  علينا  /     حسابهم ) .


( إلينا ) مقابل ( علينا ) وزنا وقافية ، و( إيابهم ) مقابل ( حسابهم ) وزنا وقافية .


5- المتماثلة : وهي أن تتساوى الآيتان في الوزن دون التقفية ، وتكون مكونات كل آية مقابل الأخرى وزنا وقافية ، مثل قوله تعالى :  )وَأَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ المُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ( سورة ص الآيتان رقم (117 ، 118 )  فكل مفردات الآيتين على الوزن نفسه دون القافية . تلك هي أنواع الفاصلة من حيث الوزن .


كان ما سبق مدخلا طبيعيا للحديث عن " التقديم والتأخير في الفاصلة القرآنية " فقد أحصينا في ( حزب المفصل ) سياقات " التقديم والتأخير " في الفواصل القرآنية في الحزب ، وصنفنا هذه الإحصاءات إلى أصناف تسهل عملية استخلاص الدلالات المنتجة من وراء هذا التوظيف البلاغي .


ونستخلص بعض الدلالات من هذا الإحصاء ، تتمثل فيما يلي :


أولاً : ورد " التقديم والتأخير " ملابسا لسياق الفاصلة القرآنية في ( حزب المفصل ) في ( 402 أربعمائة وآيتين ) فقط من جملة آيات الحزب ، بنسبة ( 25.4% ) أي ( ربع ) آيات الحزب ، وهي نسبة مرتفعة إذا ما اطردت في سائر سياقات النص القرآني وتم إحصاؤها .


ثانياً : تتوزع هذه المواضع التي لابس فيها " التقديم والتأخير " الفاصلة القرآنية إلى ( 21 واحد وعشرين نوعا ) ، يمثلها الجدول التالي :


























































































































































 



م



نوع التقديم والتأخير



العدد



 



1



الابتداء بالنكرة



14



 



2



تقديم الخبر على المبتدأ



56



 



3



تقديم خبر كان على اسمها



13



 



4



تقديم خبر إن على اسمها



19



 



5



تقديم المفعول به على الفاعل



34



 



6



تقديم المفعول به على الفعل



9



 



7



تقديم المفعول الثاني على المفعول الأول



15



 



8



تقديم المفعول المطلق على الفاعل



5



 



9



تقديم المفعول المطلق على الفعل



1



 



10



تقديم الحال على عاملها



10



 



11



تقديم النعت على منعوته



2



 



12



تقديم الظرف على المفعول به



2



 



13



تقديم الجار و المجرور على المتعلق به



53



 



14



تقديم الجار والمجرور على المفعول به



52



 



15



تقديم الجار والمجرور على الحال



5



 



16



تقديم الجار والمجرور على المفعول المطلق



8



17



الفصل بين الفعل والفاعل بالجار والمجرور



14



 



18



الفصل بين المبتدأ والخبر بالجار والمجرور



53



 



19



الفصل بين الصفة والموصوف بالجار والمجرور



7



 



20



الفصل بين اسم كان وخبرها



12



 



21



الفصل بين اسم إن وخبرها



18



 



المجموع :



402



 
















جدول رقم ( 1)


      يتضح من خلال الجدول السابق أن أكثر الأنواع استحواذا على سياقات " التقديم والتأخير " في الفاصلة في ( حزب المفصل ) هي أربعة ألوان هي :


1- تقديم الخبر على المبتدأ ، والذي تمثل في ( 56 ستة وخمسين موضعاً ) .


2- تقديم الجار والمجرور على المتعلق به ، والذي تمثل في ( 53 ثلاثة وخمسين موضعاً ) .


3- الفصل بين المبتدأ والخبر بالجار والمجرور ، والذي تمثل في ( 53 ثلاثة وخمسين موضعاً ) .


4- تقديم الجار والمجرور على المفعول به ، والذي تمثل في ( 51 إحدى وخمسين موضعاً ) .


فهذه الألوان الأربعة هي الأكثر استحواذا على سياقات " التقديم والتأخير " في الفاصلة ، إذ حازت ( 213 مائتين وثلاثة عشر موضعاً ) من إجمالي المواضع ، بنسبة ( 53 % ) من جملة المواضع ، وهي نسبة مرتفعة بالقياس إلى بقية الألوان وعددها ( 17 سبعة عشر لوناً ) .


ثالثاً : يمكن تصنيف مواضع " التقديم والتأخير " في الفاصلة القرآنية أقساما أربعة هي :


الأول : ما يختص بالجملة الاسمية .


 الثاني : ما يختص بالجملة الفعلية .


الثالث : ما يختص بالمكملات .


الرابع : ما يختص بالفصل النحوي .


ونفصل القول في كل قسم على حدة كما يلي :


القسم الأول : ما يختص بالجملة الاسمية :


    ويدور الحديث في هذا القسم عن سياقات " التقديم والتأخير " في الفاصلة القرآنية الملابسة للجملة الاسمية والتي تتمثل في :


1- الابتداء بالنكرة .


2- تقديم الخبر على المبتدأ .


3- تقديم خبر كان على اسمها .


4- تقديم خبر إن على اسمها .


فهذه الفروع تتضافر فيما بينها لتشكل منظومة " التقديم والتأخير " في الجملة الاسمية . والشيء العجيب حقا أن خروج ( الفاصلة ) بالتقديم أو بالتأخير عن مقررات النحو في المواضع الملابسة لها ، إنما هو في جوهر الأمر مجرد شكل من أشكال " التقديم والتأخير " في الجملة الاسمية . فالفاصلة القرآنية في هذه المواضع لابد وأن تكون أحد طرفي الجملة الاسمية ملابساً  لحالة ( التأخير ) دوما . فمثلا : في الابتداء بالنكرة ورد " التقديم والتأخير " ملابساً للفاصلة في ( 14 أربعة عشر موضعاً ) كانت الفاصلة في كل هذه المواضع ( خبرا ) مؤخرا على خلاف القياس النحوي الذي يحكم للخبر في هذه المواضع بالتقديم لكون المبتدأ ( نكرة ) . فمثلا قوله تعالى :) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذَّبِينَ ( سورة المرسلات آية رقم ( 15 ) . تكررت في هذه السورة في ( 10 عشر آيات ) ودارت على الهيكلة التركيبية التالية :( ويل + يومئذ + للمكذبين ) . ( مبتدأ نكرة + ظرف +  خبر شبه جملة ) .


والأصل في مثل هذا الأسلوب أن يؤخر ( المبتدأ ) لكونه نكرة ، ويُقَدَّم ( الخبر ) لكونه ( شبه جملة ) . وعلى هذا كان لابد أن يكون تركيب الآية في غير القرآن على النحو التالي: ( للمكذبين يومئذ ويلٌ ) أو ( للمكذبين ويلٌ يومئذ ) .


 فيختلف الأمر تماما حينئذ في السياق القرآني . ولذا كان لابد من مخالفة الأصل النحوي للحفاظ على الإيقاع الموسيقي المتولد من بناء أغلب فواصل السورة على حرف ( النون ) الذي تكرر في ( 29 تسع وعشرين آية ) من إجمالي ( 50 خمسين آية ) هي جملة آيات سورة المرسلات . ولنتخيل الأمر فلو كانت الآية حاشا لله على التركيب التالي : ( للمكذبين يومئذ ويلٌ ) فالإيقاع الجميل يختفي تماما .


إذن المخالفة للأصل النحوي هنا تمت حفاظا على السياق الإيقاعي بالدرجة الأولى  . يقول        العلوي :" الظروف لا وجه لتقديمها على عاملها إلا ما ذكرناه من الاختصاص . وثانيهما : أن يكون تقديمه من أجل مراعاة المشاكلة لرؤوس الآي في التسجيع " (20) . فهو هنا يرى في " التقديم والتأخير " الملابس للفاصلة أمرين هما :


الأول : التقديم للاختصاص .


والأمر الثاني : مراعاة المشاكلة الصوتية المتولدة من بناء الفواصل على حرف متماثل .


فالاختصاص هنا في هذه الآية السابقة لا يتحقق لكون ( الخبر ) غير مقدم .


 أما مراعاة المشاكلة الصوتية والإيقاعية فهو المراد هنا .


 وفي " تقديم الخبر على المبتدأ " في الفاصلة القرآنية ، نجد أن هذا ورد ممثلاً في ( 56 ستة وخمسين موضعاً ) ، منها على سبيل المثال :


- قوله تعالى : ) وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ( سورة ق آية رقم ( 4 ) .


- قوله تعالى: ) مَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ( سورة ق آية رقم ( 6 ) .


- قوله تعالى:  )وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ( سورة ق آية رقم ( 43 ) .


- قوله تعالى:  )وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( سورة الممتحنة آية رقم ( 43 ) .


هذه الآيات وظفت فيها الفواصل كأحد ركني الجملة الاسمية ، وكانت دائما في هذه السياقات (مبتدأ) مؤخرا . والشيء الغريب أن التأخير في هذه السياقات لا ينحو نحو المشاكلة الصوتية للفاصلة ، بل الأمر هنا على أغراض بلاغية متولدة من سياقات تقديم الخبر (شبه الجملة) . وليست فقط على    ( الاختصاص ) الذي تواطأ البلاغيون على وسم مبحث " التقديم والتأخير " به في كل مناسبة .


   ونظرة بسيطة إلى مواضع " تقديم الخبر على المبتدأ " في سياقات الفاصلة القرآنية تبين بحق المواضع المستحقة للتأخير ، والمواضع الأخرى التي لا تستحق هذا التأخير . فقد استحق المبتدأ التأخير لكونه ( نكرة ) مجرورة في ( 15 خمسة عشر موضعاً ) فقط . ونظراً لكون الخبر ( شبه جملة ) ، وكان المبتدأ في هذه المواضع هو ( الفاصلة ) . في حين تأخر (المبتدأ) في بقية المواضع وعددها (41 إحدى وأربعين موضعاً) ، ولم يكن يستحق التأخير في هذه المواضع لكونه ملابسا لما يوجب له التقديم . فقد توزع المبتدأ في هذه المواضع كما يلي :


1- مبتدأ ( نكرة موصوفة ) ، وقد ورد في ( 21 إحدى وعشرين موضعا ) والوصف أحد المسوغات المبيحة للابتداء بالنكرة .


2- مبتدأ ( معرف بال ) ، وقد ورد في ( 14 أربعة عشر موضعا ) .


3- مبتدأ ( معرف بالإضافة ) ، وقد ورد في ( 6 ستة مواضع ) .


أي أن المبتدأ ( المؤخر ) في هذه المواضع كان حقه التقديم ، وكان حق الخبر أن يكون ( فاصلة ) مؤخرة كما يقتضي التركيب النحوي ذلك ، لكن ذلك لم يحدث !!


إن القول بأن غاية هذا التقديم هو الحفاظ على ( التشاكل الصوتي ) المتولد عن بناء الفواصل على حرف أو حروف متماثلة ( صوتياً ) أو قريبة التماثل ، أمر لا يتضح هنا في كل مواضع " التقديم والتأخير " في الفاصلة القرآنية . فمثلا الآية رقم ( 4 ) من سورة ( ق ) قال تعالى : )وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ { مكونة من ( خبر شبه جملة مقدم + مبتدأ نكرة موصوفة مؤخر) . وحق المبتدأ هنا (التقديم) لوجود ما يسوغ له هذا التقديم وهو ( الوصف ) . والفاصلة هنا هي كلمة ( حفيظ ) مبنية على حرف ( الظاء ) فهل نحكم للفاصلة بأنها متماثلة ( صوتيا ) مع بقية الفواصل في السورة ؟! والإجابة أن فواصل سورة ( ق ) جاءت على ( 7 سبع أحرف ) توزعت على آيات السورة البالغ عددها ( خمس وأربعين آية ) كما يلي:

















































م



الحرف



عدد مرات الورود



1



الباء



7



2



الجيم



5



3



الدال



27 بنسبة  ( 60 % )



4



الراء



2



5



الصاد



1



6



الطاء



1



7



الظاء



2




جدول رقم ( 2 )


 إذ أغلب فواصل السورة مبني على حرف ( الدال ) ، والفاصلة التي بين أيدينا مبنية على حرف ( الظاء ) وليس بينهما أي تقارب في المخرج . إذ أمر المشاكلة الصوتية غير وارد في هذه الآية . فالتقديم هنا بلاغي محض وليس نحويا أيضا لكسره التقرير النحوي المسوغ للابتداء بالنكرة إذا وصفت . فالتقديم هنا ( للخبر ) والتأخير( للمبتدأ ) على إرادة إثبات طلاقة قدرة الخالق وليس الاختصاص ، فالسياق يدور على إنكار البعث من جانب الكفار وتحدثهم بأن الأرض ( تبلع ) فقط ، فهو الفناء المحض ، فكان الرد الإلهي بأن الذي خلق أولا يسهل عليه الخلق مرة ثانية ، كما أن  ( طلاقة القدرة ) تتمثل في معرفة المقدار الذي تأخذه الأرض من أجسادهم ، لأن كل هذا ( عندنا ) فقط في ( كتاب حفيظ ) . ونفي التقديم للاختصاص هنا أمر حتمي ، لأن إرادة الاختصاص تقتضي الظن بمحاولات الاشتراك ، وهذا الموضع لا اشتراك فيه ، فلذا ينتفي هذا الغرض هنا .


 ولو تتبعنا كل مواضع التقديم والتأخير ( الاسمي ) في الفاصلة القرآنية لكان لكل فاصلة خصوصية ذاتية بها في مقامها الذي ثبت فيه وتمكنت ، هذه الخصوصية تنبع من أداءات المفردات المكونة لتركيب جملة الفاصلة ، وتضافرها معا للوصول إلى قمة الأداء عند الفاصلة .


  ولنأخذ مثالا آخر ، الآية رقم ( 4 ) من سورة الممتحنة قال تعالى : ) وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ( مبنية على الهيكل التركيبي التالي : ( خبر شبه جملة مقدم + مبتدأ مؤخر ) .  وتأخير المبتدأ هنا على خلاف القياس النحوي الذي يحكم للمبتدأ المعرفة بالتقديم ، وعليه كان لابد في - غير القرآن أن يكون شكل الجملة :( والمصير إليك ) . لكننا هنا نكون إزاء نفور جمالي في الأداء الصوتي المؤدي إلى الجمال الإيقاعي ( للمتلقي ) . فلو كان بناء الفاصلة على ( الخبر ) أي على حرف الكاف في ( إليك ) لما أحسسنا بالجمال الأدائي لهذه الآية . إن التقديم هنا حقق أمرين هما :


1- المشاكلة الصوتية لتقارب حرف (الراء) من مخرج حرف (الباء) الذي بنيت عليه فواصل السورة.


2- الاختصاص المنتج من تقديم الخبر ( إليك ) على المبتدأ ( المصير ) ، فالسياق يقتضي الإقرار باختصاص المولى عز وجل وحده بأن المآل إليه ، ونهاية المطاف لديه . ويستفاد ذلك من سياق الدعاء قبل الفاصلة ) رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ( فالدعاء في الآية مبني على تقديم (شبه جملة) كوحدة دلالية مستقلة ، على ( المتعلق به ) ، حتى إذا ما وصلنا إلى موضع الفاصلة قدم ( شبه الجملة ) على المبتدأ اطرادا على ما سبق .


 وفي سياق تقديم خبر كان على اسمها ، وتقاطع سياقاته مع سياقات الفاصلة ، نجد أن هذا التقاطع ورد ممثلاً في ( 13 ثلاث عشرة آية ) . ورد فيها خبر كان مقدما على اسمها ( الفاصلة ) ، ولنضرب مثالاً لنوضح به كيفية ورود هذا النمط الأسلوبي :


قال تعالى : )فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ( سورة الملك آية رقم ( 18 ) . فقد قدم الخبر ( كيف ) أداة الاستفهام ذات الخصوصية المتفردة ، على ( كان ) واسمها المعرفة ( نكير ) . وتقديم ( كيف ) هنا واجب لاستحقاق أسماء الاستفهام الصدارة . ولكون ( كيف ) مستحقة للتصدير كانت الآية على النسق الذي لابد أن تكون  عليه . واسم كان ( نكير ) ليس مؤخراً بالمعنى المفهوم لنا ، بل هو على نسقه ، فهو تالٍ للفعل الناسخ ولم يؤخر ، ولكن الخبر هو الذي قدم ليس على ( اسم كان ) بل على ( كان ) نفسها ، لوجود ما يبيح له هذا التقديم . والذي حدث في اسم كان ( الفاصلة ) هو حذف ( ياء المتكلم ) من آخره ، فكان حقه أن يكون ( نكيري ) لكن لاستمرار الدفقة الإيقاعية للفاصلة ، والمتولدة من بناء أغلب فواصل السورة على حرف ( الراء ) الذي تكرر في ( 21 إحدى وعشرين فاصلة ) من إجمالي   ( 30 ثلاثين آية ) هي جملة آيات السورة ، وبنسبة ( 70% ) ، ثم حذف ( ياء المتكلم ) . والحذف هو أحد الأحكام الموجبة للمناسبة والمشاكلة الصوتية للفاصلة القرآنية . إذ يعدده السيوطي من جملة الأحكام الأربعين الموجبة للمناسبة في الفاصلة القرآنية . يقول السيوطي : " وحذف فاء الإضافة ، نحو :) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ((21)، و)فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ((22) " (23) . فعلى هذا الأساس حذفت الياء من ( نكير ) ، رعاية للمناسبة في الفاصلة .


     ومثال آخر الآية رقم ( 4 ) من سورة الإخلاص ، قال تعالى : ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ( . فالهيكلة التركيبية للآية تقوم على المفردات الآتية : ( لم جازمة + فعل مضارع مجزوم ( ناسخ ناقص ) + جار ومجرور متقدم على متعلقه + خبر يكن مقدم + اسم يكن مؤخر ) و " التقديم والتأخير " هنا ليس على القياس النحوي ، فالأصل في غير القرآن ( ولم يكن أحد كفوا له ) فتقديم الخبر هنا على المبتدأ على غير قياس . ولذا يجب التساؤل لم حدث هذا الاختراق التركيبي للآية ؟!


 يرى مكي أن : " (أحد) اسم كان ، و( كفوا ) خبر كان ، و (له) ملغي . وقيل:( له) الخبر ، وهو قياس قول سيبويه (24) ، لأنه يقبح عنده إلغاء الظرف إذا تقدم ، وخالفه المبرد (25)  ، فأجازه على غير قبح ، واستشهد بالآية ، ولا شاهد للمبرد في الآية ، لأنه ممكن أن يكون ( كفوا ) حالا من (أحد) مقدما ، لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها نصب على الحال "(26) . فعلى هذا هناك إعرابان لكلمة ( كفواً ) :


الأول : أن تكون ( خبرا ) لكان مقدما على اسمها . والثاني : أن تكون ( حالا ) من ( أحد ) تقدمت عليه لكونه نكرة موصوفة في الأصل ، فقدمت ( الصفة ) فنصبت على ( الحال ) .


وعلى هذا يكون ( له ) الجار والمجرور ( خبراً ) لكان . وقد رد أبو حيان على هذا الرأي           بقوله : " ليس الجار والمجرور منه ( تاما ) ، إنما هو ناقص لا يصلح أن يكون خبرا لكان ، بل هو متعلق بـ( كفوا ) وقدم عليه . فالتقدير : (  ولم يكن أحد كفوا له ) أي : مكافئه . فهو في معنى المفعول متعلق بكفوا . وتقدم على ( كفوا ) للاهتمام به ، إذ فيه ضمير الباري تعالى ، وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخر ، لأن تأخر الاسم هو فاصلة فحسن ذلك " (27) . وهذا الرأي الذي فنده أبو حيان هو الفصل إذ جعل الأمور في نصابها ، فالخبر هنا هو ( كفواً ) ، والجار والمجرور ( له ) متعلق بالخبر مقدما عليه لاشتماله على ضمير يعود على المولى-  سبحانه وتعالى-  فاستحق التقديم لهذا ، وللاهتمام به . أما تقدم الخبر فهو على سبيل التجوز ، وحقه التأخر ، إلا أن اسم كان حسن تأخيره لكونه ( فاصلة ) ، أي أن ( أحد ) فاصلة مبنية على حرف ( الدال ) الذي بنيت عليه فواصل السورة جميعها ، ومن هنا حسن تأخير ( اسم كان ) رعاية للتشاكل الصوتي ، ومناسبة للإيقاع المتولد من هذا التشاكل .


وهذا الرأي ارتآه أبو حيان هو خلاصة رأي أغلب النحويين و المفسرين(28) . وعليه فإن بناء ( الفاصلة ) القرآنية يخضع لقوانين نحوية وصرفية وصوتية وبلاغية تتضافر معا لتشكل منظومة الفاصلة في تقاطعات سياقاتها مع سياقات مبحث " التقديم والتأخير " .


أما شكل ( الفاصلة ) في سياق تقديم ( خبر إن ) على ( اسمها ) فقد ورد ممثلا في ( 19 تسعة عشر موضعا ) في ( حزب المفصل ) . هذه السياقات هي في جوهر أمرها سياقات لتقديم الخبر على المبتدأ ، لابسها دخول الحروف النواسخ عليها . فمثلا قوله تعالى : ) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ {    سورة الغاشية الآيتان رقم (25 ، 26 ) . فهاتان الآيتان وردتا على هيكلة تركيبية واحدة تتمثل في :  ( حرف ناسخ + خبر إن شبه جملة ( جار ومجرور ) مقدم + اسم إن معرفة مؤخر ) . وسبب          تقديم (الخبر) هنا على غير القياس ، لأن المبتدأ معرفة مستحق للتقديم ، وتأخيره على غير قياس .   وأصل  الكلام - في غير القرآن - ( إن إيابهم إلينا ثم إن حسابهم علينا ) .


   ولن نحكم هنا على التأخير لـ( اسم إن ) بأنه مراعاة للتشاكل الصوتي للفاصلة ، فهذا لا يمكن       لكون الفاصلة في الآيتين على حرف ( الميم ) ، وأغلب فواصل السورة على ( تاء التأنيث المتحركة ) والتي وردت في ( 14 أربع عشر آية ) من جملة ( 25 خمس وعشرين آية ) هي جملة الآيات في  السورة . ولو تقدم ( اسم إن ) إلى مكانه المحكوم به نحويا ، لكانت الفاصلة ( خبر إن ) على حرف واحد هو حرف ( النون ملابساً ألف المد ) . فالتشاكل الصوتي للفاصلة لا مقام له هنا ، بل إن تقديم  ( خبر إن ) على غرض الاختصاص لكون المحكوم به هنا ( البعث والحساب ) مما لا سبيل لأحد إليه ، فهو بيد المولى عز وجل وحده .


ويلاحظ أن جميع المواضع التي تقدم فيها ( خبر إن ) كان ( شبه جملة ؛ جار ومجرور ) وهذا - وفق تقرير النحويين - مسوغ لتقديم ( خبر إن ) . أما ( اسم إن ) فكان على ثلاثة أحوال :


1- نكرة مجردة ، وقد وردت في ( 6 ستة مواضع ) .


2- نكرة موصوفة ، وقد وردت ممثلة في ( موضعين فقط ) .


3- معرفة ، وقد وردت ممثلة في ( 11 أحد عشر موضعاً ) .


   معنى ذلك أن استحقاق ( اسم إن ) للتأخر لا يتمثل إلا في ( 6 ستة مواضع ) أما تأخره على غير القياس في ( 13 ثلاثة عشر موضعا ) وما كان ذلك إلا لأغراض بلاغية مستقاة من وراء هذا التوظيف لهيكل جملة ( إن واسمها وخبرها ) أو بالهيكل الفرعي ( إن + خبرها + اسمها ) ، بالإضافة إلى وضع المناسبة والمشاكلة الصوتية للفاصلة في الحسبان في الكثير من الآيات مثلما نجد في :


1- قوله تعالى : ) وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى( سورة النجم آية رقم ( 13 ) .


2- قوله تعالى : ) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى( سورة النجم آية رقم (42 ) .


3- قوله تعالى : ) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةُ الأُخْرَى( سورة النجم آية رقم ( 47 ) .


4- قوله تعالى : ) وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ( سورة القلم آية رقم ( 3 ) .


5- قوله تعالى : ) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى( سورة الليل آية رقم ( 12 ) .


    فهذه الآيات رُوعِيَ فيها بناء الفاصلة في سياق بنائها في فواصل السورة ، وذلك حتى تتوافق مع الإيقاع المتولد من بناء الفواصل على التماثل والمناسبة .


   وعلى كل فإن بناء وتشكيل الفاصلة في سياقات " التقديم والتأخير " في الجملة الاسمية كان خاضعا في المقام الأول لمقررات الحكم النحوي في تفصيلات تقديم الخبر وما يتبعه ، وأغراض هذا التقديم ، والدلالات المستفادة من هذا التقديم تتضافر مع خصائص الفاصلة وتوظيفها في سياق هذه التفصيلات .


القسم الثاني : ما يختص بالجملة الفعلية :


تدور هيكلة الجملة الفعلية على اعتماد الفعل والفاعل ركنين أصليين لا غنى لأحدهما عن الآخر ، ولا قيام للهيكلة التركيبية في الجملة الفعلية بأحدهما دون الآخر . ويتعدى الفعل إلى نصب ركن آخر هو ( المفعول به ) بل ويمنحه رخصا تركيبية غاية في الجمال . فيمنحه التقدم على ( الفاعل ) بل والتقدم على ( الفعل ) نفسه وفقا لمنظومة سياقية يؤديها ( المفعول ) في هذه التحركات . وما يعنينا هنا هو ملابسة سياقات " التقديم والتأخير " في الجملة الفعلية ، لسياقات الفاصلة في هذه الجملة . ولذا فإن سياقات التقديم والتأخير في الجملة الفعلية في تقاطعاتها مع سياقات الفاصلة تشمل ما يلي :


1- تقديم المفعول به على الفاعل .


2- تقديم المفعول به الفعل .


3- تقديم المفعول الثاني على المفعول الأول .


فهذه التفصيلات هي محور سياقات التقديم والتأخير في الجملة الفعلية ، ولذا نفصل القول فيها .


أولاً : تقديم المفعول به على الفاعل :


   ورد المفعول به مقدما على ( الفاعل ) في سياق ( الفاصلة ) أي كون ( الفاعل ) هو ( الفاصلة ) في الآية ، ورد ممثلا في ( 34 أربعة وثلاثين موضعا ) . توزع المفعول في هذه المواضع كما يلي :


1- المفعول ( ضمير متصل بالفعل ) مقدم على ( الفاعل ) المظهر المنفصل ، واجب التقديم في هذه  الحالة ، ورد ممثلا في ( 31 إحدى وثلاثين موضعا ) .


2- المفعول ( اسم ظاهر ) والفاعل ( اسم ظاهر ) ، المفعول ( غير مستحق للتقديم ) ورد ممثلاً في    ( 3 ثلاثة مواضع فقط ) .


وعلى هذا فإن الحديث عن تقديم المفعول به ( المضمر ) على ( الفاعل ) الذي هو بدوره ( فاصلة ) يكون من جانب بلاغية هذا التقديم الواجب  هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى هي مراعاة ( المشاكلة والمماثلة ) للفاصلة ( الفاعل ) مع فواصل السور التي ترد فيها . فمثلا قوله تعالى : )عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى( سورة النجم آية رقم ( 5 ) قدم فيها المفعول به ( هاء الغيبة ) في الفعل ( علمه ) على الفاعل   ( شديد العقاب ) وهذا التقديم واجب لكون المفعول به ( ضمير متصلاً ) والفاعل ( اسما ظاهراً ) . ومن ناحية أخرى جاء ( الفاعل المؤخر ) والذي هو بدوره ( فاصلة ) متشاكلاً مع أغلب فواصل السورة المبنية على ( الألف المقصورة ) والمتمثلة في ( 27 سبع وعشرين آية ) من إجمالي ( 62 اثنتين وستين آية ) هي إجمالي آيات سورة النجم . وبلاغية التقديم هنا على غرض ( التفرد ) و(الاختصاص ) فالرسول r لم يعلمه بشر ، بل علمه رسول من عند رب البشر ، وهذا هو مناط الفرق بين تعليم البشر للبشر ، وتعليم رب البشر للرسول r .


 ومثال آخر ؛ قوله تعالى : )وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْْغَرُورُ( سورة الحديد رقم ( 56 ) . فقد وردت الآية على الهيكلة التركيبية الآتية : (  فعل+ مفعول به مقدم + جار ومجرور متعلق بالفعل + فاعل مؤخر وجوبا ) .


 فقد قدّم المفعول به هنا وجوبا على ( الفاعل ) لإرادة ( التوبيخ ) الإلهي للمؤمنين أو للبشر إذ كيف يستحوذ عليكم الشيطان ، وقد أتتكم رسلي وكتبي ، ولذا استحققتم هذا ( التوبيخ ) في معرض الحساب يوم القيامة . أم بالنسبة للماثلة الصوتية في الفاصلة ( الفاعل ) كلمة ( الغرور ) فهي حاضرة هنا وبقوة لكون أغلب فواصل السورة مبنياً على حرف ( الراء ) الذي تمثل في ( 11 إحدى عشرة آية ) من إجمالي ( 29 تسع وعشرين آية ) هي جملة آيات السورة ، وبذلك يتحقق الغرض البلاغي من تقديم المفعول به ، ويتحقق التشاكل الصوتي والإيقاعي من تأخير ( الفاعل ) .


 إن المقصد من الإشارة إلى وجوب " تقديم المفعول " أو "جواز تقديمه " هو النظر بعين أخرى غير عين البلاغة ، هذه العين تكون موجهة للمؤخر ( الفاعل ) لا للمقدم ( المفعول ) لأن مناط الاهتمام هنا هو هذا المؤخر لكونه ( فاصلة ) .


  أما على صعيد جواز تقديم المفعول ، فقد ورد ممثلا في ( 3 ثلاثة مواضع ) فقط منها قوله        تعالى:) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( سورة القمر آية رقم ( 41 ) . فقد قدم المفعول به ( آل فرعون ) على الفاعل ( النذر ) جوازا وعلى غير قياس لكون كل من الفاعل والمفعول اسمين ظاهرين .  وتحقيق البلاغة لهذا التقديم هو ( إبطال الحجة ) بمعنى أن الله عز وجل إذا عذبهم وعمهم بهذا العذاب فقد أبطل حجتهم بإرسال الرسل ( النذر ) . أما على صعيد ( الفاصلة ) فإن إعادة الجملة إلى رتبتها - في غير القرآن - يكون كما يلي : ( ولقد جاء النذر آل فرعون ) . فالأمر هنا يكون على اعتماد كلمة ( آل فرعون ) هي ( الفاصلة ) ، وهي بذلك لا تتواءم مع بناء هيكل الفاصلة في السورة الكريمة ، إذ ( الفاصلة ) في السورة مبنية على حرف ( الراء ) فقط منفردا . فقد هيمن على فواصل السورة كلها ، فورد في جميع آياتها ولو تحقق ما رمينا إليه لشكل هذا نبوا إيقاعيا ، ونشازا موسيقيا في سياق إيقاعي منتظم ، وهذا لا يكون . وعلى هذا يمكن القول بأن " التقديم والتأخير " هنا كان بلا شك من أجل رعاية الفاصلة ولأجل المناسبة والمماثلة والمشاكلة الصوتية في فواصل السورة كلها .


 وعلى هذا النمط يسير سياق ( الفاصلة ) في تقاطعاتها مع سياقات تقديم المفعول به على الفاعل .


 ثانياً : تقديم المفعول به على الفعل :


في حزب المفصل ورد المفعول به مقدما على ( الفعل ) في سياق ( الفاصلة ) في ( 9 تسعة مواضع ) . والنحويون يقررون مواضعا لتقديم المفعول به على الفعل تتمثل في (29) :


1- كون المفعول به من الأسماء التي لها الصدارة ، كأسماء الاستفهام،وأسماء الشرط ، وكم الخبرية.


2- أن يكون المفعول به ضميرا متصلا ، لو تأخر لزم اتصاله .


3- أن يقع المفعول به في جواب (أما) الظاهرة أو المقدرة ولا يفصل بينها وبين الفعل سوى المفعول به .


   ومن خلال الاستضاءة بهذه التقريرات النحوية لتقديم المفعول به وجوبا على الفعل يمكننا تقسيم المواضع التي تقاطعت فيها ( الفاصلة ) مع سياق تقديم المفعول على الفعل كما يلي :


القسم الأول : ورد المفعول به مقدما وجوبا على ( الفعل ) في ( 5 خمسة مواضع ) هي :


1- قوله تعالى : ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ( سورة المدثر آية رقم ( 3 ) .


2- قوله تعالى : ) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ( سورة المدثر آية رقم ( 4 ) .


3- قوله تعالى : ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ( سورة المدثر آية رقم ( 5 ) .


4- قوله تعالى : ) أَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ( سورة الضحى آية رقم ( 9 ) .


5- قوله تعالى : ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ( سورة الضحى آية رقم ( 9 ) .


القسم الثاني: ورد المفعول به مقدما على غير القياس النحوي على( الفعل) في(3 ثلاثة مواضع) هي :


1- قوله تعالى : ) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىَ( سورة النجم آية رقم ( 53 ) .


2- قوله تعالى : ) وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا( سورة النازعات آية رقم ( 32 ) .


3- قوله تعالى : ) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا( سورة النازعات آية رقم ( 32 ) .


فالتقديم ( وجوبا ) للمفعول به في القسم الأول جاء على وقوع المفعول به في جواب ( أما ) سواء الظاهرة كما في الآيتين الأخيرتين ، أو ( أما ) المقدرة كما في الآيات الثلاث الأول . هذا ( الوجوب ) ساهم في إبراز أغراض هذا التقديم وهي جميعا على إرادة ( الاهتمام ) لأن المخاطب هو الرسول r في جميع هذه الآيات . كما لا ينكر أن بناء الأفعال ( الفواصل ) هنا على ( حرف الراء ) في آيات سورة المدثر جاء متوافقا مع فواصل السورة ، والتي بُنِيَ معظم فواصلها على هذا الحرف الذي ورد ممثلاً في ( 31 إحدى وثلاثين آية ) من إجمالي ( 56 ست وخمسين آية ) هي عدد آيات السورة . فالتماثل الصوتي والإيقاعي لهذه الفواصل كان حاضرا في سياق هذا التقديم . وليس الحال كذلك في آيتي سورة الضحى ، إذ أن الفاصلة في الآيتين على حرف (الراء) الذي لم يُمثَّل في السورة إلا في هاتين الآيتين . ولذا فالاتكاء على المشاكلة الصوتية هنا ليست بذات طائل . بل التوجيه البلاغي هنا يكون أقوى .


   أما القسم الثاني ، والذي تقدم فيها المفعول به على ( الفعل ) بلا سند ، أو قياس نحوي ، فمناط الأمر فيه كما يتضح من سياق السور الواردة فيها تلك الآيات على إرادة التماثل والمناسبة للفواصل . ففي الآية الأولى بنيت الفاصلة على حرف المد (الألف) مناسبة لفواصل سورة النجم والذي جاء فيها ( المد ) أساساً للفواصل في ( 55  خمس وخمسين آية ) من إجمالي ( 62 اثنتين وستين آية ) هي عدد آيات السورة .


 وكذلك الحال في سورة النازعات فالآيتان هنا مبنيتان على فاصلة مختومة بمد ( الألف ) . وقد جاءت هكذا لتتوافق مع أغلب فواصل السورة التي جاءت على النمط نفسه ، والتي تمثلت في ( 11 إحدى عشرة آية ) من إجمالي ( 46 ست وأربعين آية ) هي عدد آيات السورة .


 وخلاصة القول : أن البحث في سر " التقديم والتأخير " في ( الفاصلة ) المتقاطعة على سياق تقديم المفعول به ( الفعل ) إنما هو في جلي الأمر مستند للتقرير النحوي والبلاغي اللذين يوجهان بلا شك السياق الصوتي والإيقاعي المبتغي من وراء توظيف الفاصلة .


 ثالثاً : تقديم المفعول الثاني :


  ورد المفعول الثاني مقدما على المفعول الأول في جملة ( المفعولين ) اللذين أصلهما ( المبتدأ والخبر ) في ( حزب المفصل ) ممثلا في ( 15 خمسة عشرة آية ) . ونجد أن هذه المواضع على ضربين هما :


الضرب الأول : تقديم المفعول الثاني على المفعول الأول ، وقد ورد ممثلا في ( 14 أربع عشرة آية ) .


والضرب الثاني : تقديم المفعول الثاني على ( الفعل ) ، وقد ورد ممثلا في ( آية واحدة ) هي قوله تعالى : ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ( سورة الحاقة آية رقم ( 31 ) .


 فالضرب الأول ورد ( المفعول الثاني ) في جميع المواضع على هيئة ( شبه الجمة ) التي سدت   مسد ( المفعول الثاني ) . وقد توزعت إلى :


1- الظرف ، وقد ورد ( مفعولا ثان ) ممثلا في ( آية واحدة ) هي قوله تعالى : )سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ( سورة الطلاق آية رقم ( 7 ) .


2- الجار والمجرور ، وقد ورد ( مفعولا  ثان ) ممثلا في ( 13  ثلاث عشرة آية ) .


 وهذا التقسيم مفاده الوقوف على نطاقات عمل ( المفعول الثاني ) المقدم على ( المفعول الأول ) . هذه النطاقات تستفاد من كون المفعول الثاني في الأصل ( خبر ) ، والمفعول الأول في أصله ( مبتدأ ) ، فالتقديم هنا يدور على دلالات تقديم الخبر ( شبه الجملة )على ( المبتدأ ) النكرة دوما في هذه المواضع . كما أن هذه الدلالات تتواءم وتتضافر مع الدلالات المستفادة من عد ( المفعول الأول ) في هذه المواضع (فاصلة) . وهذا التضافر يمنح سياقات السورة القرآنية أبعادا جمالية ودلالية رائعة .


ولنضرب مثالا تطبيقيا لهذا التضافر . فمثلا قوله تعالى:) وَمَنْ َيتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا( سورة الطلاق آية رقم (2) . فالهيكلة التركيبية لهذه الآية قائم على : ( جعل فعل ناسخ ناصب لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر + فاعل ( ضمير مستتر ) + مفعول به ثان مقدم ( جار ومجرور ) + مفعول به أول مؤخر ( مخرجا ) . وكان أصل الكلام  - في غير القرآن أن يكون كالتالي : ( يجعل  مخرجا  له ) . لكن تم العدول عن هذا الأصل بتقديم ما هو أصل المفعول الثاني ( الجار والمجرور ) الذي كان (خبر شبه جملة) على المفعول الأول (المبتدأ النكرة ) في الأصل . والنحو يقرر وجوب تقديم الخبر ( شبه الجملة ) على المبتدأ النكرة .  ولتتخيل أن هذا الأمر سار في خطوات هي :


1- الابتداء بالنكرة على غير القياس ، ( مخرجٌ  له ) .


2- تحكيم التقرير النحوي بتأخير المبتدأ وجوبا ( له مخرجٌ ) .


3- دخول الفعل الناسخ الناصب لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، ( يجعل الله له مخرجا ) .


4- استتار الفاعل لدلالة السياق قبله عليه ( يجعل له مخرجا ) .


  هذه الخطوات هي بالفعل ما انتظم كل المواضع التي قدم فيها المفعول الثاني على المفعول الأول .


 الدلالات المستنبطة من التقديم في هذه المواضع هي في جوهرها دلالات تقديم الخبر على المبتدأ ،  ولا مجال هنا للحديث عن ( التشاكل والمماثلة الصوتية ) للفواصل .


 أما الضرب الثاني ، والذي تقدم فيه ( المفعول الثاني ) على ( الفعل ) وبالتالي على ( الفاعل )   و( المفعول الثاني ) ، فقد ورد ممثلا في قوله تعالى : ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ( . على الهيكلة التالية :   


 ( مفعول ثان + فعل + فاعل + مفعول أول ) . لكننا هنا نجد أنفسنا إزاء ( فعل ) ليس في جملة الأفعال الناصبة لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، ونجد أن المفعول الثاني والأول هنا لا يكونان جملة اسمية مفيدة ، فما معنى قولك : ( الجحيم هو ) أو ( هو الجحيم ) لا معنى حقيقي مستفاد من وراء هذا التركيب .  يقول الزمخشري : " لا تصلوه إلا الجحيم ، وهي النار العظمى لأنه كان سلطانا يتعظم على الناس" (30) .


 ولا ندري لم قدّر الزمخشري هنا الاستثناء المنفي . وقد رد عليه أبو حيان بقوله : " إنما قدره لا تصلوه إلا الجحيم ، لأنه يزعم أن تقديم المفعول يدل على الحصر" (31). فالزمخشري يقدم المفعول هنا على غرض الحصر ، ولذا قدر النفي هنا . لكن لم نجد من يشير إلى المفعول الأول ( الضمير المتصل ) في الفعل (صلوه) ، وينصب اهتمام النحويين والبلاغيين على المفعول الثاني وسبب تقديمه . يقول  النسفي : " نصب الجحيم بفعل يفسره صلوه " (32). ويرى العلوي أن الجحيم إنما قدم : " من أجل المشاكلة لرؤوس الآي ، ومراعاة حسن الانتظام ، واتفاق أعجاز الكلم السجعية " (33 ) . إذن الأمر يخرج على عدَّ الفعل ناصبا لمفعولين ، دون تحديد لهوية هذا الفعل ، وأن المفعول الثاني إنما قدم هنا للحفاظ على التشاكل الصوتي للفواصل . وهذا هو الرأي السائد .


تلك أهم الدلالات التي لابست فيها ( الفاصلة ) سياقات " التقديم والتأخير " في الجملة الفعلية .


القسم الثالث : ما يختص بالمكملات :


   يدور سياق " التقديم والتأخير " في المكملات متقاطعا مع سياق ( الفاصلة ) على مدار كون التقديم تسبب في نقل ( الفاصلة ) من دالة إلى دالة ، هذا التحول والنقل هما مناط عملية " التقديم والتأخير " . وبالنسبة للمكملات فالأمر على السياق نفسه بلا اختلاف . وتقديم المكملات في سياق الفاصلة ورد ممثلا في :


1- تقديم المفعول المطلق .


2- تقديم الحال على عاملها .


3-تقديم النعت على منعوته .


4- تقديم أشباه الجمل . ومن خلال هذه الجزئيات نحاول تلمس سياق ( الفاصلة ) في تقاطعات " التقديم والتأخير " مع سياق المكملات .


1- تقديم المفعول المطلق :


   المفعول المطلق أحد المكملات في الجملة الفعلية ، والمنوط بها أداء أدوار دلالية غاية في الأهمية . إذ يرجى من وراء توظيفه أغراض ، تتضافر بدورها مع الأغراض المتولدة من سياقات تقديمه .


   هذا وقد ورد المفعول المطلق مقدما على عامله في ( حزب المفصل ) ومتقاطعا مع سياق ( الفاصلة ) في جملتها ، ممثلا في ( 6 ست آيات ) ، كانت الفاصلة ممثلة فيها بشكل ما كما سيتضح . فقد ورد المفعول المطلق . وورد مقدما على ( الفاعل ) منه في ( 4 أربع آيات ) هي :


1- قوله تعالى : ) كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ َشَكرَ( سورة القمر آية رقم (35 ) .


2- قوله تعالى : ) قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ( سورة الملك آية رقم ( 23 ) .


3- قوله تعالى : ) قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ ( سورة الحاقة آية رقم ( 41 ) .


4- قوله تعالى : ) قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ( سورة الحاقة آية رقم ( 42 ) .


ومقدما على ( الفاعل ) في ( آيتين ) هما :


 1- قوله تعالى : ) فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ( سورة الفجر آية رقم ( 25 ) .


2- قوله تعالى : ) وَلاَ يُوِثقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ( سورة الفجر آية رقم ( 26 ) .


 وهذان النمطان من تقديم المفعول المطلق تقاطع مع سياق الفاصلة في هذه الآيات فمثلا في النمط الأول ، قدم المفعول المطلق على العامل فيه بألفاظ محددة هي ( كذلك ، قليلا ) وكانت الفاصلة في هذه الآيات الأربع هي على التوالي الأفعال التالية : ( شكر ، تشكرون ، تؤمنون ، تذكرون ) . فهذه الأفعال كانت هي ( الفاصلة ) في سياق هذه الآيات الأربع السابقة . والأصل في هذه الآيات أن يكون التركيب الهيكلي لها    - في غير القرآن كما يلي :


- الآية الأولى : ( نجزي من شكر جزاءً ) .


- الآية الثانية : ( تشكرون شكرا قليلاً ) .


- الآية الثالثة : ( تؤمنون إيمانا قليلاً ) .


- الآية الرابعة : ( تذكرون تذكرا قليلاً ) .


 وما حدث أن حذف ( المفعول المطلق ) ليقوم ( نوابه ) بدوره ، ويراد التقديم فتتقدم النواب عن المفعول المطلق . وكان الأصل أن تكون صفات المفعول المطلق (قليلا) والتي أصبحت (نوابا) له هي (الفاصلة ) . لكن بعد حدوث التقديم تحول مركز الثقل الدلالي في الآيات ليصبح ( الفعل ) ، ومن ثم تصبح الأفعال هي ( الفواصل ) في هذه الآيات .


 * ففي الآية الأولى بنيت ( الفاصلة ) على حرف ( الراء ) في السورة كلها ، ومن ثم كان التقديم هنا حتميا للحفاظ على هذا النسق الموسيقي والإيقاعي المتولد من بناء الفواصل في السورة كلها على حرف واحد هو حرف ( الراء ) .


 * وفي بقية الآيات لم يكن التشاكل الصوتي ، أو رعاية رؤوس الآي حاضرا بشكل قوي ، لكون فواصل هذه الآيات على حرف غير مماثل لفواصل السور الواردة فيها ولذا كان ( الغرض البلاغي ) المتوقع من وراء هذا التقديم هو محور السياق في هذه الآيات الثلاث ، والتي كان المفعول المطلق حاضرا فيها بلفظ نائب عنه هو ( قليلا ) ، قدم على ( العامل ) فيه لمناسبات السياق .


   أما النمط الثاني، والذي قدم فيه المفعول المطلق على ( الفاعل ) ، والمتمثل في آيتي سورة الفجر . فالأمر فيهما على الاهتمام بالأغراض المتوخاة من هذا التقديم مع النظر إلى التماثل والمشاكلة الصوتية للفاصلة الممثلة في كلمة ( أحد ) والتي تقع ( فاعلا ) ، والفاصلة هنا مبنية على حرف ( الدال ) الذي شكل  ( 10 عشر آيات ) من جملة آيات السورة البالغ عددها ( 30 ثلاثين آية ) . إذن يتحقق هنا أمران : الأول : التقديم لغرض الاختصاص " مراعاة جانب اللفظ والمعنى جميعا ، فالاختصاص أمر معنوي ، والتشاكل أمر لفظي " (34 ) . ولذا لا منافاة إطلاقا بين الأمرين ، بل إن تضافرهما معا هو عين المراد .


 تلك هي أهم دلالات التقديم والتأخير في الفاصلة في سياق التقديم والتأخير في جملة المفعول المطلق .


2- تقديم الحال على عاملها :


 وردت الفاصلة القرآنية في جملة الحال المتقاطعة مع سياقات " التقديم والتأخير "  في (10 عشرة آيات) . وتقديم الحال " يفيد أنه جاء على هذه الصفة مختصا بها من غيرها من سائر صفاته " (35) . وقد تنوع الحال المقدم إلى نوعين هما :


1- لفظ ( كيف ) ، وقد ورد ممثلا في ( 7 سبع آيات ) .


2- شبه الجملة ، ( الجار والمجرور ) ، وقد ورد ممثلا في ( 3 ثلاث آيات ) .


 فالنمط الأول للحال قدم فيه لاستحقاق اسم الاستفهام الصدارة ، فلا سبيل إلى تأخير الحال وعلى هذا فإن الفاصلة في هذه الآيات السبع هي ( الفاعل ) في الحال أي ( الفعل ) . لكن حفظ الرتبة هنا للحال المقدم هل أسهم في الحفاظ على السياق الإيقاعي للفاصلة ؟! والإجابة تتضح من استعراض سياق الحال في هذه الآيات :


   * ففي الآية رقم ( 36 ) من سورة القلم ) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ( بنيت الفاصلة هنا ، الفعل  ( تحكمون ) على حرف النون ، وهو الحرف الذي بنيت عليه أغلب فواصل السورة ، إذ ورد هذا الحرف في بناء فواصل آيات السورة ممثلا في ( 43 ثلاث وأربعين آية ) من جملة ( 52 اثنتين وخمسين آية ) هي عدد آيات السورة ولذلك فإن بناء ( الفاصلة ) هنا على حرف ( النون ) أسهم في الحفاظ على التماثل الصوتي والإيقاعي لفواصل السورة .


* وفي الآيتين ( 19 ، 20 ) من سورة المدثر ) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ( تكرر الأمر نفسه ، إذ كان بناء الفاصلة هو الموجه لهذا التقديم . فالفاصلة في الآيتين هنا الفعل (قدر) مبنية على حرف ( الراء ) الذي بنيت عليه معظم فواصل السورة ، فقد ورد ممثلا في ( 31 إحدى وثلاثين آية ) بنسبة ( 55 % ) من جملة فواصل السورة البالغ عدد آياتها ( 56 ست وخمسين آية ) .


 * وفي الآيات ( 17 ، 18 ،19 ، 20 ) من سورة الغاشية ) أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَِتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفَعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ( كان بناء الفاصلة على  حرف ( التاء ) ، وهي ( تاء التأنيث الساكنة ) والتي لم ترد ممثلة إلا في هذه الآيات الأربع فقط . فالأمر إذن ليس على مدار الحفاظ على إيقاع الفاصلة ، بل هو حينئذ على الأغراض البلاغية المتوخاة من وجوب تقديم الحال على ( العامل ) فيه . هذه الأغراض تقوم على الإشارة إلى مواقف متعلقة بعملية الخلق هي ( خلق الإبل ، وخلق السماء ، وخلق الجبال ، وخلق الأرض ) ، وهذه المواقف لم يكن ثمة سبيل لبشر أن يعاينها ، فالأمر هنا على ( الاعتبار والعظة ) المستفادة من بيان (الكيفية) التي تمت بها عمليات الخلق هنا . فتوظيف ( كيف ) كحال مقدمة على ( عاملها ) تفتح باب التصور الذهني مصحوبا بالانبهار من عظمة عملية الخلق المتنوعة هنا ، ومن ثم فإن هذا التصور يفضي بنا إلى الانبهار بالخالق جل وعلا وهذا هو المراد من وراء التقديم في هذه الآيات .


 أما توظيف (شبه الجملة ؛ الجار والمجرور) كحال مقدمة على (عاملها) ، فقد ورد في (ثلاث آيات) هي :


- قوله تعالى : ) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ( سورة المدثر آية رقم ( 40 ) .


- قوله تعالى : ) عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ( سورة المطففين آية رقم ( 23 ) .


- قوله تعالى : )َ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ( سورة المطففين آية رقم ( 35 ) .


  فمدار التقديم هنا بالدرجة الأولى على جواز هذا التقديم لا وجوبه ، وهذا يفضي بنا إلى استنتاج أن التقديم كان بهدف الحفاظ على النسق الإيقاعي للفواصل في هذه الأبيات .     


 * فآية سورة المدثر الفاصلة فيها مبنية على حرف ( النون ) ، والذي هو أحد الحروف التي بنيت عليها فواصل السورة ، إذ ورد ممثلا في ( 10 عشر آيات ) من آيات السورة . ويمكن القول أيضا بأن تقديم ( الحال ) هنا على غرض بلاغي دقيق وهو( البشارة ) هذه البشارة للمؤمنين يجعل الأمر على كونهم في الجنات ( يتسامرون ) . ومن هذه المسامرات سؤالهم عن ( المجرمين ) . لكن لو دار الأمر على الابتداء بالسؤال أولا ثم بناء الحال ( شبه الجملة ) على ( الفعل ) لكان الأمر على غير ذلك ، فيكون مدار السياق على أن السؤال هنا على وجهه ، لا على وجه المسامرة .


 * أما الآيتان رقم ( 23 ، 35 ) من سورة المطففين فهما على مدار السياق السابق نفسه ، على  مراعاة التشاكل الصوتي والإيقاعي للفاصلة والتي هي مبنية على حرف ( النون ) الذي ورد ممثلا في نهاية الفواصل في (27 سبع وعشرين آية) من جملة آيات السورة البالغ عددها (36 ست وثلاثين آية). وعلى غرض( البشارة ) المتوقع من تقديم الحال ( شبه الجملة ) ، و( النكاية ) بأعداء الله الكافرين الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا .هكذا تسير دلالات توظيف الفاصلة القرآنية في سياق التقديم في جملة الحال .


3- تقديم النعت على منعوته :


 اتفق النحويون على أن النعت إذا صلح لمباشرة العامل وكان معرفة جاز تقديمه ، على أن يعرب المنعوت بدلاً منه (36) . ويرى ابن عصفور : أنه لا يجوز تقدم النعت على المنعوت إلا ما سمع منه وهو قليل (37) . هذا وللعرب في مثل هذا الأسلوب وجهان :


الأول : تقديم النعت وإبقاؤه على ما كانت عليه قبل التقديم ، أي على حكمها الإعرابي .


والثاني : أن تضاف الصفة المقدمة إلى الموصوف . أما إذا كان المنعوت نكرة ، وتقدم على منعوته ، فإنه ينصب على ( الحال ) .


هذا وقد ورد تقديم النعت على المنعوت في ( حزب المفصل ) في ( آيتين ) هما :


- قوله تعالى : ) وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ( سورة الحاقة آية رقم ( 17 ) .


- قوله تعالى : ) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ( سورة الحاقة آية رقم ( 18 ) . فقد قدم النعت هنا (شبه الجملة) في الآية الأولى الظرف المكاني (فوقهم) مقدم على المنعوت الفاعل( ثمانية) . ووفقا لرأي مكي (38) فإن ( فوقهم ) هنا أصلح ( للحالية ) منها للنعتية ، لأن نعت النكرة إذا قدم عليها نصب على الحال . لكننا هنا نخرج هذا النعت على النعتية تقيداً بمفردات النحويين في هذا الأمر . والفاصلة هنا متمثلة في الفاعل (ثمانية) وسياق الكلام -في غير القرآن- ( ويحمل ثمانيةٌ عرشَ ربك فوقهم يومئذ ) . لكن الذي حدث هنا هو توالي ألوان من التقديم تمثلت في :


1- تقديم المفعول ( عرش ) على الفاعل ( ثمانية ) على غير قياس .


2- تقديم النعت ( فوقهم ) على المنعوت ( ثمانية ) على غير قياس .


3- تقدم الظرف الزماني ( يومئذ ) بحرية ، إذ لا رتبة له .


 هذه الألوان من التقديم تضافرت معاً تشكل منظومة سياقية ودلالية في هذه الآية مدارها (التسليم التام ) بالقدرة العظمى للمَلِكِ - جل شأنه - فمن يَحمل      ‍‍وكيف يَحمل ؟ أيَحمل أم يُحمل ؟ . كما أن إرادة الحفاظ على النسق الصوتي والإيقاعي المتولد من بناء الفاصلة على ( تاء التأنيث المتحركة ) والتي وردت ممثلة في آيات السورة في (23 ثلاث وعشرين آية) من (52 اثنتين وخمسين آية) هي جملة آيات السورة . فهذه التداخلات السياقية كان لها أكبر الأثر في التوجيه البلاغي لهذه الآية .


* أما الآية الثانية فهي على المدار نفسه ، لا تكاد تختلف في دلالاتها إلا في كون النعت شبه الجملة المقدم هنا ( جار و مجرور ) وهو ( لكم ) مقدم على المنعوت النكرة ( خافية ) . فالدلالات في هذه الآية هي نفسها المنتجة من سياق الآية السابقة .


    تلك هي أهم دلالات ورود الفاصلة في سياق التقديم في جملة النعت .


4- تقديم أشباه الجمل :


     يقصد بأشباه الجمل هنا ؛ الظرف ، والجار والمجرور . وتوظيف الظرف والجار والمجرور في سياق تفصيلات " التقديم والتأخير " أمر غريب إذ أن التقرير النحوي لأشباه الجمل أنهما مما لا رتبة له ، والعرب تتوسع فيها ما لا تتوسع في غيرهما . لكننا في سياق البحث عن " التقديم والتأخير " في الفاصلة القرآنية وجدنا لأشباه الجمل دوراً كبيراً ومؤثراً في توجيه تفصيلات "  التقديم والتأخير " في الفاصلة القرآنية . فقد أحصينا مواضع كان لأشباه الجمل فيها الكلمة العليا في توجيه دلالات الفواصل القرآنية . هذه المواضع تمثلت في :


1- تقدم الظرف على المفعول به ، والذي ورد ممثلاً في ( آيتين فقط ) .


2- تقدم الجار والمجرور على المفعول به ، والذي ورد ممثلاً في ( 52 اثنتين وخمسين آية ) .


3- تقدم الجار والمجرور على المفعول المطلق ، والذي ورد ممثلاً في ( 8  ثماني آيات ) .


4- تقدم الجار والمجرور على الحال ، والذي ورد ممثلاً في ( 5 خمس آيات ) .


5- تقدم الجار والمجرور على المتعلق به ، والذي ورد ممثلاً في ( 53  ثلاث وخمسين آية ) .


 أي أن أشباه الجمل أسهمت في توجيه سياقات التقديم في الفاصلة القرآنية ، وتمثلت في (110 مائة وعشر آيات) بنسبة (29.6%) من جملة الآيات التي تقاطعت فيها الفاصلة القرآنية مع سياقات " التقديم والتأخير " .


 ولتقديم أشباه الجمل دلالات عديدة ، يقول العلوي : " اعلم أن الظرف لا يخلو حاله إما أن يكون وارداً في الإثبات ، أو يكون وارداً في النفي . فإذا ورد في الإثبات فتقديمه على عامله إنما يكون لغرض لا يحصل مع تأخيره ، فلا جرم التزم تقديمه ، لأن في تأخيره إبطالاً لذلك الغرض " (39 ). وعلى هذا الرأي فإن تقديم أشباه الجمل يكون على إفادة غرض ما من وراء هذا التقديم ، هذا الغرض ينتفي إذا تأخرت أشباه الجمل .


   ولنحاول الآن الوقوف على حركية ( أشباه الجمل ) في هذه التركيبات للوقوف على مدى ما أسهمت به من دلالات في سياق ( الفاصلة القرآنية ) . فمثلاً قوله تعالى : ) إِنَّ هَؤُلاَء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًاً ثَقِيلاً( سورة الإنسان آية رقم (27) ضربت هذه الآية للدلالة على تقدم (الظرف) على ما هو أولى منه بالتقديم ( المفعول به ) فأصل الكلام - في غير القرآن - : ( إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون يوماً ثقيلاً وراءهم ) . وما حدث هنا هو تقديم ظرف المكان ( وراءهم ) على المفعول به ( يوماً ) . والتقديم الذي حدث هنا على غرضين :


الأول : بلاغي يتعلق بمدلول كلمة ( وراءهم ) التي تشير إلى ( اليوم الآخر ) ، فكأن هؤلاء المعرضين عن الآخرة ، استقبلوا ( العاجلة ) الدنيا بوجوههم ، وأداروا الظهور للآخرة ( وراءهم ) فصارت بمنزلة ( الوراء ) مع كونها هي ( الأمام ) . وهذا الجمال في الآداء التعبيري بهذا اللفظ عضد الغرض من وراء وصف المفعول به هنا ؛ وهو ( الإشعار بالغفلة الشديدة ) . والذي عضد أيضا هذا الغرض وصف المفعول به بالصفة ( ثقيلاً ) ، فهذا الوصف أمعن في إبراز الغفلة ، وهول ما ينتظرهم في هذا اليوم .


والغرض الثاني: إيقاعي يتعلق ببناء الفاصلة في الآية ، والتي بنيت على حرف (اللام المعانق لألف المد) ، هذا الحرف الذي بنيت عليه ( 9 تسع فواصل ) في السورة . ومعظم فواصل السورة على حرف ( الراء المعانق لألف المد ) ، وحرف ( الميم المعانق لألف المد ) وهذه الأحرف الثلاثة جميعها متقاربة المخارج ، ولذا فالقول بالتشاكل والمماثلة الصوتية يكون حاضراً في هذا المقام . ويكفينا أن نشير إلى شكل الآية لو لم يقاطع سياقها "التقديم والتأخير" فشكلها - في غير القرآن - يكون كالتالي : (ويذرون يوماً ثقيلاً وراءهم ) .


 فاعتماد الفاصلة هنا سيكون كلمة ( وراءهم ) مما سيشكل نبوا موسيقياً وإيقاعياً في سياق فواصل السورة . ومن هنا تأتي الإشارة إلى الأهمية البلاغة لهذا التقديم في الحفاظ على سياق الفاصلة في السورة .


 * أيضا قوله تعالى : ) مَالَكُم لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا( سورة نوح آية رقم ( 13 ) . تم تقديم الجار والمجرور (لله) على ما هو أولى منه بالتقديم المفعول به (وقارا) . هذا التقديم يفنده الزمخشري بقوله : " ) لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا( لا تأملون له توقيراً أي تعظيما . والمعنى مالكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب . و( لله ) بيان للموقر ، ولو تأخر لكان صلة للوقار " (40) . وقد أحسن الزمخشري في هذا التحليل البلاغي ، لكني لم أفهم مقصده بكلمة ( صلة ) ولعل مقصده أن يكون ( صفة ) لهذا المفعول .


 والغرض المتوخى من وراء توظيف هذا التقديم هو (التهويل) إذ كيف لا ترجون ( لله) وقارا ؟! ، فهذا التقديم هو مناط الاهتمام في الآية .


 كما أن للتقديم دوراً في الإسهام في المشاكلة الصوتية للفاصلة في السورة ، إذ هي مبنية في معظم فواصلها على حرف ( الراء المعانق لألف المد ) ، وتكرر ذلك في ( 17 سبع عشرة آية ) من إجمالي ( 28 ثمان وعشرين آية ) هي جملة آيات السورة .


 * وفي قوله تعالى : ) وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ( سورة التغابن آية رقم ( 13  ) تقدم الجار والمجرور (على الله ) على المتعلق به الفعل ( يتوكل ) ، على قصد ( القصر ) أي أنه لا يجوز للمؤمنين أن يتوكلوا إلا على الله وحده . فهذا ( القصر ) هو عين الحقيقة المرادة في الآية . والآية مصدرة بالتوحيد ، ونفى الإشراك ، ولذا كان لا بد من اتباع هذا التوحيد بكمال الاتكال على الله - عز وجل - . يقول البيضاوي : " لأن إيمانهم بأن الكل منه يقتضي ذلك " (41) . فالتوحيد يقتضي حسن التوكل على هذا الإله الواحد المتكفل بقضاء حوائج خلقه .


 * وفي قوله تعالى : )وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ( سورة المدثر رقم ( 7 ) تقدم الجار والمجرور ( لربك ) على المتعلق به الفعل ( اصبر ) . هذا التقديم قائم في المقام الأول من أجل الحفاظ على التشاكل الصوتي في الفواصل المتتالية والمبنية على ( حرف الراء ) من أجل إشعار المتلقي بأهمية ما يتلى .


يقول د . السيد خضر : " الفاصلة عنصر أساسي من عناصر التصوير باللوحة القرآنية ، حيث أن اللوحة القرآنية تتبع كل آياتها تقريباً فاصلة واحدة أو فواصل متقاربة الإيقاع " (42) . هذه اللوحات هي مكونات إبداعية للسور القرآنية . ففي كل سورة تتكرر اللوحات وتتضافر فيما بينها لتؤدي أهدافا ومقاصدا من وراء هذا التوظيف الدلالي الرائع .


 وفي سورة المدثر تبدأ بنداء الله تعالى لرسوله r ، وإسداء بعض الأوامر والنواهي إليه في الآيات من ( 1- 7 ) ، ونجد الفواصل في هذه اللوحة تنتهي ( براء ) قبلها حرف متحرك مع تقارب في الوزن ، ومنها ( المدثر ، وأنذر ، وكبر ، طهر ) (43) .


والسؤال الآن لم اختيار حرف ( الراء ) هنا في هذه الآيات ؟! والإجابة نجدها في الإحصاء الذي قدمه لنا د . السيد خضر حول فواصل القرآن إذ احتلت ( الراء ) المركز الثالث في أكثر فواصل القرآن عددا ، وتكررت ( الراء ) في الفواصل القرآنية في ( 690 ستمائة وتسعين آية ) بنسبة ( 11.04 % ) من جملة فواصل القرآن (44) .


   وبناء على هذه الملاحظة نشير إلى أن ( حرف الراء ) يتميز بنسبة وضوح سمعي كبيرة ، هذا الوضوح السمعي جعله يتكرر في فواصل القرآن . كما أن بناء الفاصلة على شكل ( الراء الساكنة ) لا يتمثل إلا في مواضع ( الحث والاستنفار ) كما في آيات سورة ( المدثر ) التي بين أيدينا فهي محققة للمراد من الأمر والنهي للنبي r ، وهو هذا الاستنفار .


  هكذا تسهم ( أشباه الجمل ) في تعضيد سياقات ( الفاصلة ) في تقاطعاتها مع سياقات " التقديم والتأخير " فيها . كما أن الهدف الأسمى لألوان " التقديم والتأخير " في أشباه الجمل هو الحفاظ على التدفق الإيقاعي ، والتشاكل الصوتي للفواصل القرآنية في سياقات ( حزب المفصل ) .


القسم الرابع : ما يختص بالفصل :


 لأشباه الجمل دور آخر غير الذي تقوم به بالنسبة للمتعلق به . هذا الدور يتمثل في كونها ( فواصل ) بمعنى ( معترضات ) بين ما يكون كالجملة الواحدة . وقد قرر النحويون مواضعاً لا يحسن فيها الفصل ، ويقبح . من هذه المواضع التي قرروها (45) :   


 1- الفصل بين الصلة والموصول .


 2- الفصل بين العدد وتمييزه .


 3- الفصل بين الجار والمجرور .


 4- الفصل بين ( قد ) والفعل بعدها .


  5- الفصل بين المضاف والمضاف إليه .


 6- الفصل بين الصفة والموصوف .


  7- الفصل بين حرف العطف وتاليه .


 8- الفصل بين الحروف النواصب وبين منصوبها .


 9- الفصل بين ( لم ) ومجزومها .


 10- الفصل بين كم الخبرية ومميزها المجرور .


 أما بالنسبة للفصل في( حزب الفصل ) فقد وقع في سياق ( الفاصلة ) على خمسة أضرب هي :


      1- الفصل بين المبتدأ والخبر بالجار والمجرور .


      2- الفصل بين اسم كان وخبرها بالجار والمجرور .


      3- الفصل بين اسم إن وخبرها بالجار والمجرور .


      4- الفصل بين الفعل والفاعل بالجار والمجرور .   


      5- الفصل بين الصفة والموصوف بالجار والمجرور .


  و الأضرب الثلاث الأولى هي في حقيقة أمرها نوع واحد ، إذ يمكن رد كل من ( الفصل بين اسم كان وخبرها ) ، و ( الفصل بين اسم إن وخبرها  ) إلى النوع الأول  ، وهو الفصل بين (المبتدأ والخبر) واعتماد ذلك نوعاً واحداً . هذا وقد ورد ( الفصل ) بين ركني الجملة الاسمية ( المبتدأ والخبر )  و( اسم كان وخبرها ) و ( اسم إن وخبرها ) ممثلاً في ( 83 ثلاث وثمانين آية ) .


   أما الفصل بين ( الفعل والفاعل ) فتمثل في ( 14 أربع عشرة آية ) . وتمثل الفصل بين ( الصفة والموصوف ) في ( 7 سبع آيات ) .


   ومما يجب ملاحظته هنا أن ( الجار والمجرور) هو ( الفاصل ) بين أركان هذه الجمل ، كما أنه - في أصل الكلام - كان يجب أن يكون هو ( الفاصلة ) التي تختم بها الآيات . إلا أن محكمات السياق والدلالات هي التي سمحت له بهذا التقديم غير الرتبي ، والفصل بين هذه الأركان . فمثلاً في النوع الأول كان يجب أن يكون ( الجار والمجرور ) هو ( الفاصلة ) ، فلما حدث هذا الفصل ، تحولت مركزية الفاصلة إلى ( الخبر ) . ويمكننا تمثيل ما حدث في الجدول الآتي :





































النوع



الفاصلة في غير القرآن



الفاصلة في القرآن



الفصل بين المبتدأ والخبر بالجار والمجرور .



الجار والمجرور



الخبر .



الفصل بين اسم كان وخبرها بالجار والمجرور .



بالجار والمجرور



خبر كان .



الفصل بين اسم إن وخبرها بالجار والمجرور .



بالجار والمجرور



خبر إن .



الفصل بين الفعل والفاعل بالجار والمجرور .



بالجار والمجرور



الفاعل .



الفصل بين الصفة والموصوف بالجار والمجرور.



بالجار والمجرور



الصفة .




جدول رقم ( 3)


    إذن تم العدول عن وضعية ( الركن الثاني ) من هذه الأنماط التركيبية للجمل السابقة لإحلال عنصر آخر في وصفية أخرى . كل هذا لإرادة بناء الفاصلة في هذه المواضع على نمط معين .وقد نتساءل ألا يمكن عد ( الفصل ) بين هذه الأركان من قبيل تقديم أشباه الجمل ؟ ! والإجابة أن وضعية ( الجار والمجرور ) هنا هي التي حكمت له بحكم ( الفصل ) ، لوقوعه بين هذه الأركان .


  ولنحاول الآن تلمس الدلالات لهذه المواضع . فمثلاً قوله تعالى : ) ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ( سورة ق آية رقم ( 44 ) . فقد فصل هنا بالجار والمجرور ( علينا ) بين الخبر( حشرٌ ) الموصوف وصفته  ( يسيرٌ ) . فالفصل هنا فصل بين ( الصفة والموصوف ) . وأصل الكلام  - في غير القرآن - : ( ذلك حشرٌ يسيرٌ علينا ) . إلا أن إرادة المحافظة على التماثل الصوتي والإيقاعي للفاصلة في السورة كان هو الموجه الأول لهذا الفصل ، رغم أن بناء الفاصلة في سورة ( ق ) على حرف ( الراء ) لم يكرر إلا في  ( آيتين ) فقط  ، منهما هذه الآية التي بين أيدينا . إذن الموجه هنا هو الحفاظ على نمط سياقي وإيقاعي مقبول ، إذ لو بنيت الفاصلة هنا على كلمة ( علينا ) ، وأردنا وصل الآية بما بعدها لشكل ذلك نبوا إيقاعياً وصوتيا ملحوظاً .


 كذلك قوله تعالى : )فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى( سورة النجم آية رقم (10) . تم الفصل هنا بالجار والمجرور ( إلى عبده ) بين الفعل ( أوحى ) والفاعل الاسم الموصول (ما) . هذا الفصل الذي كان بغرض الحفاظ على النمط السياقي والإيقاعي للفاصلة في السورة ، والتي بني مقطعها على ( الألف المقصورة ) بالنسبة للأسماء ، وعلى ( ألف المد ) بالنسبة للأفعال . والفاصلة هنا ( أوحى ) مبنية على ( ألف المد ) الذي تكرر في فواصل السورة في ( 28 ثمان وعشرين آية ) بنسبة ( 45% ) من جملة آيات السورة . وهذا الفصل بين الفعل والفاعل بالجار والمجرور كان مراداً منه غرضان هما :


الأول : الحفاظ على سياق المماثلة والمشاكلة في بناء الفاصلة في السورة .


 والثاني : بلاغي ، يتمثل في إفادة الاختصاص ونفي المشاركة ، فالوحي لا يكون إلا ( لعبده ) r .


   وهكذا يدور ( الفصل ) على مدار سياقي ودلالي يهدف من ورائه ، ويقصد من توظيفه .


وخلاصة القول :


    إن " التقديم والتأخير " في سياق الفاصلة القرآنية كان متمحوراً في المقام الأول حول المشاكلة والمماثلة الصوتية ، إذ هي مناط الأمر كله . ولم يمنع ذلك أداء سياقات " التقديم والتأخير" لأغراض بلاغية متضافرة مع سياق الفاصلة .


  على أنه يجب أن نلاحظ أن " التقديم والتأخير " في الفاصلة في سياق الجملة الفعلية كان أكثر استحواذاً وهيمنة ، إذ بلغ عدد الفواصل المقدمة في سياق الجملة الفعلية كان أكثر استحواذاً وهيمنة ، إذ بلغ عدد الفواصل المقدمة في سياق الجملة الفعلية (217 مائتين وسبع عشرة آية) بنسبة ( 53.9 % ) على حين بلغ عدد الفواصل المقدمة في سياق الجملة الاسمية ( 185 مائة وخمس وثمانين آية ) بنسبة  ( 46 % ) من إجمالي الآيات . وهذه الهيمنة يجب تفسيرها في إطار إفادات التعبير بالجملة الفعلية ، والتي تدور على مدارات التجدد ، وهذا مناسب لسياقات النص القرآني ، التي تتسم بالعطاء المستمر ، والمنح المتواصل ، وهذا أحد إعجازات هذا النص المعجز .


 وبحق فإن الفاصلة القرآنية تحتاج إلى دراسة متكاملة تضم في جنباتها المستويات الأربع للغة من      حيث النحو والصرف والدلالة والصوت ، للوقوف على الشبكة الدلالية التي تحكم النسيج السياقي للفاصلة ، وتوظيف ذلك في إطار النسيج القرآني كله .


الهوامش :


1.   - ينظر :  الجوهري الصحاح ، مادة ( فصل ) ، 4 / 116 .  الرازي ، مختار الصحاح ، 298 .   الفيومي ، المصباح المنير ، 246  .  -  ابن منظور ، لسان العرب ، مادة ( فصل ) ، 8 / 177 .


2.      -  الخليل بن أحمد الفراهيدي ، العين ، مادة ( سجع ) ، 2 / 244 .


3.      -  الرماني ،النكت ،  91  .


4.      -  ابن سنان الخفاجي ، سر الفصاحة ، 173 .


5.      -  الباقلاني ، إعجاز القرآن ، 270 .


6.        - الداني ، التيسير في مذاهب القراء السبعة ، 32 .


7.      -   السابق ، 37 .


8.      -  الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 1 / 53 .


9.      -  سورة فصلت : آية رقم ( 3 ) .


10. -  الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، 1 / 54 .


11. -  أبو داود ، السنن ، باب ما جاء كيف كانت قراءة النبي r ، حديث رقم ( 1466 ) .


12. -  ينظر : محمد الحسناوي ،  الفاصلة في القرآن ، 145– 162. عيد شبايك ، الفاصلة القرآنية ، 50 -  68.


13.   -  ابن رشيق ، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ، 1 / 154 .


14. -  سماها ( الرماني ) بالمتجانسة ، وسماها كل من الخفاجي و الزركشي و السيوطي " بالمتماثلة " وسماها ابن القيم  ذات المناسبة التامة . ينظر : الرماني ، ثلاث رسائل ، 90 . -  ابن سنان ، سر الفصاحة ، 203 . - الزركشي ، البرهان ،  738 . -  السيوطي ، الإتقان ، 2 / 105 . - ابن قيم الجوزية ، بدائع الفوائد ، 1 / 88 .


15. -  سماها الرماني ، والخفاجي ، والزركشي ، والسيوطي ( بالمتقاربة ) ، وسماها ابن القيم ( ذات المناسبة غير التامة ) . ينظر : الرماني ، ثلاث رسائل ، 90 .- ابن سنان ، سر الفصاحة ، 204. - الزركشي ، البرهان ، 1/ 73 . -  السيوطي ، الإتقان ، 2 / 104 . -  ابن القيم ، بدائع الفوائد ، 1 / 89 .


16. - د . محمد الحسناوي ، الفاصلة في القرآن ، 146 .


17. - ابن قيم الجوزية ، الفوائد المشوق لعلوم القرآن ، 255 228 .


18. - ينظر : ابن حجة ، خزانة الأدب ، 119 . -  السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، 2 / 104 .


19. -  ينظر :  ابن القيم الجوزية ، الفوائد ، 1 / 76 . - ابن أبي الإصبع المصري ، بديع القرآن ، 107 .


20. -  العلوي ، الطراز ، 236 .


21. -  سورة القمر :  آية رقم ( 18 ) .


22. -  سورة الرعد : آية رقم ( 3 ) .


23. -  السيوطي ، معترك الأقران في إعجاز القرآن ، 1 / 27 .


24. -  ينظر :  سيبويه ، الكتاب ، 1 / 56 .


25. -  ينظر :  المبرد ، المقتضب ، 4 / 90 .


26. -  مكي بن أبي طالب ، مشكل إعراب القرآن ، 2 / 854 .


27. -  أبو حيان ،  البحر المحيط ، رقم ( 3 ) .


28. -  ينظر :  الأخفش ، معاني القرآن ، 2/589 .  -  النحاس ، إعراب القرآن ، 5 / 312 .


29. -  ينظر : ابن جني ، الخصائص ، 2 / 384 . - ابن الناظم ، شرح الألفية ، 227 .   المرادي ، توضيح المقاصد ، 2 / 16 .


30. -  الزمخشري ، الكشاف ، 4 / 604 .


31.   -  أبو حيان ، البحر المحيط ، 10 / 261 .


32.   -  النسفي ، تفسير النسفي ، 4 / 288 .


33.   - العلوي ، الطراز ، 234 .


34. -  العلوي ، الطراز ، 235 .


35.   -  السابق ، 237 .


36. -  ابن مالك ، شرح التسهيل ، 169 . -  الرضي ، شرح الكافية ، 1 / 317 .


37. -   ابن عصفور ، شرح جمل الزجاجي ، 1 / 218 .


38. - مكي بن أبي طالب ،  مشكل إعراب القرآن  ، 2 / 854 .


39. -  العلوي ، الطراز ، 236 .


40. -  الزمخشري ، الكشاف ، 4 / 918 .


41. -  البيضاوي ، أنوار التنزيل ، 5 / 318 .


42. -   د. السيد خضر ، الفاصلة القرآنية ، 147 .


43. -  السابق ، 148 .


44. -  د . السيد خضر ، الفواصل القرآنية ،148 .


45. -  ينظر : سيبويه ، الكتاب، 1 / 176 - 179  ، 1 / 180 ، 2 / 164 -  166 . 


46. المبرد  ، المقتضب ، 1 / 25 ، 2 / 323  ،  3 / 55 ، 3 / 195 ،  4 / 98 - 4 / 302  . 


47. ابن جني  ،  الخصائص ، 2 / 392 - 413 . -  ابن عقيل ، شرح الألفية ، 2 / 89 ، 3 / 344 .