الأربعاء، 18 مارس، 2009

الأغراض البيانية للجملتين : الاسمية ، والفعلية في القرآن الكريم


إن خير ما توصف به الجملة في القرآن ، أنها بناء قد أحكمت لبناته ، ونسقت أدق تنسيق ، لا تحس فيها بكلمة تضيق بمكانها ، أو ننبو عن موضعها ، أو لا تتعايش مع أخواتها ، حتى صار من العسير ، بل من المستحيل أن تغير كلمة بكلمة ، أو تستغني فيها عن لفظ ، أو أن تزيد فيها شيئا ، وصار قصارى أمر من يريد معارضة جملة في القرآن ، أن يرجع بعد طول المطاف إليها ، كأنما لم يخلق الله لأداء تلك المعاني ، غير ما اختاره القرآن لهذا الأداء. قال ابن عطية : عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن ( 541ه) : ( وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظة ، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد ، ونحن يتبين لنا البراعة في أكثره ، ويخفى علينا وجهها في مواضع ، لقصورنا عن مرتبةالعرب يومئذ في سلامة الذوق ، وجودة القريحة ) (21)يقول مصطفى صادق الرافعي : ( وإنك لتحار إذا تأملت تركيب القرآن ، ونظم كلماته في الوجوه المختلفة ، التي يتصرف فيها ، وتقعد بك العبارة إذا أنت حاولت أن تمضي في وصفه ، حتى لا ترى في اللغة كلها أدل على غرضك ، وأجمع لما في نفسك ، وأبين لهذه الحقيقة ، غير كلمة الإعجاز ……. إلى أن يقول : فترى اللفظ قارا في موضعه ، لأنه الأليق في النظم ، ثم لأنه مع ذلك الأوسع في المعنى ، ومع ذلك الأقوى في الدلالة ، ومع ذلك الأحكم في الإبانة ، ومع ذلك الأبدع في وجوه البلاغة ، ومع ذلك الأكثر مناسبة لمفردات الآية ، مما يتقدمه أو يترادف عليه...). (22)والجملة القرآنية تتبع المعنى النفسي ، فتصوره بألفاظها لتلقيه في النفس ، حتى إذا استكملت الجملة أركانها ، برز المعنى ظاهرا ، فليس تقديم كلمة على أخرى صناعة لفظية فحسب ، ولكن المعنى هو الذي جعل ترتيب الجملة ضرورة لا محيد عنه ، وإلا اختل وانهار. خذ مثلا قوله تعالى : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) (23). تجد إسماعيل معطوفا على إبراهيم ، فهو كأبيه يرفع القواعد من البيت ، ولكن تأخره في الذكر يوحي بأن دوره في رفع القواعد دور ثانوي ، أما الدور الأساس فقد قام به إبراهيم. قال في الكشاف : ( قيل : كان إبراهيم يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة ) (24)وفي قوله تعالى : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) (25) ( تجد المستعان عليه في الآية غير مذكور ، لا تخففا من ذكره ، ولكن ليوحي هذا الحذف إلى النفس أن كل ما يقوم أمام المرء من مشقة ، وما يعترضه من صعوبات ، يستعان على التغلب عليه بالصبر والصلاة. ) (26)ب- دراسة تطبيقية لاستخدام القرآن للجملة بنوعيها : تتألف الجملة – كما أسلفنا - من ركنين رئيسين هما : المسند ، والمسند إليه. وهذان الركنان هما عمدة الكلام. ويظهر تأليف الجملة – تبعا للمسند - بصورتين : فعل مع اسم ، أواسم مع اسم ، وبالتعبير الإصطلاحي : فعل وفاعل ، أو نائبه ، أو : مبتدأ وخبر ، نحو : أقبل سعيد ، وسعيد مقبل ، وكل التعبيرات الأخرى ، إنما هي صور أخرى لهذين الأصلين. والصورة الأساسية للجمل التي مسندها فعل ، أن يتقدم الفعل على المسند إليه ، ولا يتقدم المسند إليه على الفعل إلا لغرض يقتضيه المقام. والصورة الأساسية للجمل التي مسندها اسم ، أن يتقدم المسند إليه على المسند ، أو بتعبير آخر أن يتقدم المبتدأ على الخبر ، ولا يتقدم الخبر إلا لسبب يقتضيه المقام ، أو طبيعة الكلام. والفرق بين هاتين الصورتين : أن الجملة التي مسندها فعل إنما تدل على الحدوث ، تقدم الفعل أو تأخر ، وقد تفيد الإستمرار بالقرائن ، وهذا يكون في الفعل المضارع فقط ، كما في قوله تعالى : ( هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض.. ) (27) ،
فالرزق من الله متجدد ومستمر ، لا ينقطع ولا يزول. أما الجملة التي مسندها اسم : فإنها تدل على الثبوت ، وربما تفيد الدوام بالقرائن. (28) وإذا كان وضع الجملة الاسمية على إفادة الثبوت ، ووضع الجملة الفعلية على إفادة التجدد ، فإن الجملة الاسمية تدل على معنى أوفى مما تدل عليه الجملة الفعلية ، ولهذا ذهب البلغاء إلى أن الجملة الاسمية تفيد تاكيد المعنى ، وقدتؤثر من أجل هذا في بعض المقامات على الجملة الفعلية (29). وقد يعدل القرآن أحيانا عن الفعل إلى الاسم ، فقد يكون الأصل أن يعبر عن الحدث بالفعل ، ومع ذلك يؤتى بالاسم للدلالة على الثبوت. قال تعالى : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) (30) فهو لم يجعله بعد ، ولكن ذكره بصيغة اسم الفاعل للدلالة على أن الأمر حاصل لا محالة ، فكأنه تم ، واستقر ، وثبت. ومن جميل استعمال القرآن للفعل والاسم : أنه يستعملهما استعمالا مناسبا مع وقوع الحدث في الحياة ، فإذا كان مما يتكرر حدوثه ويتجدد استعماله ، استعمله بالصورة الفعلية ، وإن لم يكن كذلك استعمله بالصورة الاسمية. فمن ذلك مثلا :( استعمال القرآن للفعل ( ينفق ) ، فإنه يستعمله بالصيغة الفعلية ، لأن الإنفاق أمر يتكرر ويحدث باستمرار ، قال تعالى : ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (31) ، فاستعمل الفعل المضارع الدال على التجدد والحدوث ، لأن الإنفاق أمر يتجدد. ولم ترد بالصورة الاسمية إلا في آية واحدة ، هي قوله تعالى : ( الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار..) (32)وهو في سياق أوصاف المؤمنين الدالة على الثبات.) (33)من ذلك : ( قوله تعالى : (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون..) (34) فاستعمل الفعل مع الحي ، فقال : ( يخرج ) ، واستعمل الاسم مع الميت ، فقال : ( مخرج ) ، وذلك لأن أبرز صفات الحي : الحركة والتجدد ، فجاء معه بالصيغة الفعلية الدالة على الحركة والتجدد , ولأن الميت في حالة همود وسكون وثبات ، فجاء معه بالصيغةالاسمية الدالة على الثبات ، فقال ( ومخرج الميت من الحي ). وقد يقول قائل : ولماذا قال في سورة آل عمران : ( تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي..) (35)بالصيغة الدالة على التجدد في الحالتين ، فنقول: إن السياق في آل عمران يختلف عنه في الأنعام ،وذلك أن السياق في آل عمران هو في التغير والحدوث ،والتجدد عموما ، فالله سبحانه يؤتي ملكه من يشاء ، أو ينزعه منه ، ويعز من يشاء أو يذله ، ويغير الليل والنهار ، ويخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، فالسياق كله حركة ، وغيير ،وتبديل ، فجاء بالصيغة الدالة على التجدد والتغير والحركة ، فوضع كل صفة في المكان اللائق بها.) (36) ومما أوردناه ندرك أن الجملة القرآنية قد تكونت من كلمات قد اختيرت بعناية ، ثم نسقت في سلك واحد ، فلا ضعف في تأليف ، ولا تعقيد في نظم ، ولكن حسن تنسيق ، ودقة ، وترتيب.


المصدر: من كتاب : د. سامي عطا حسن
جامعة آل البيت - المفرق – المملكة الأردنية الهاشمية


(21) - نقلا عن : د. نعيم الحمصي : فكرة إعجاز القرآن منذ البعثة النبوية حتى عصرنا الحاضر ، مع نقد وتعليق . ص95.

(22) - انظر : مصطفى صادق الرافعي : إعجاز القرآن والبلاغة النبوية . ص 281-282 .

(23) - سورة البقرة: آية / 127 .

(24) - محمود بن عمر الزمخشري : الكشاف . ج1/ ص 361 .

(25) - سورة البقرة : آية / 45 .

(26) - د. منير سلطان : بلاغة الكلمة . ص 108 .

(27) - سورة فاطر : آية / 3 .

(28) - انظر : د. فضل حسن عباس : البلاغة فنونها وأفنانها ، علم المعاني . ص 92 .

(29) - للاستزادة انظر : يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم العلوي اليمني ( 749هـ): الطراز . ج2/ ص 25

(30) - سورة البقرة : آية / 30 .

(31) - سورة البقرة : آية / 274 .

(32) - سورة آل عمران : آية / 17 .

(33) - د. فاضل صالح السامرائي : التعبير القرآني ( مرجع سابق ) ص 30 .

(34) - سورة الأنعام : آية / 95 .

(35) - سورة آل عمران : آية / 27 . (36) - د. فاضل صالح السامرائي : التعبير القرآني ( مرجع سابق ) ص/ 25 .

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

مقال رائع يا شيخ عمر، جزاك الله خيرًا.
كان عندي فكرة لموضوع أريده استشارتك فيه، وكنت أريد مراستك على بريدكم الآلي، بريدي هو: moud_ramadan2000@yahoo.com
أنتظر معرفة بريديكم، ولعلنا نتحدث بعد العيد، وشكر الله لك.