U3F1ZWV6ZTcxMzM2NDc3MTU2MThfRnJlZTQ1MDA1MjE4MzE0NTU=

التشبيهات التي تصور حال المنافقين فى القرآن الكريم

                          التشبيهات التي تصور حال المنافقين فى القرآن الكريم 

يرسم القرآن الكريم للمنافقين صورًا متعددة طبقًا لأحوالهم، أما الخطاب فيزداد تقريعًا بلغة حادة، وأسلوب شديد؛ لبيان مكانة هؤلاء المنافقين

الحالة الأولى: إظهار الإيمان وإخفاء الكُفر:

في أوائل سورة البقرة أخبر الله سبحانه وتعالى عن أحوال المنافقين مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع القرآن الكريم، وبيَّن حقيقة مواقفهم منهما، وكشف عن مكنون صدورهم، وفضح نفاقهم، أراد سبحانه وتعالى أن يكشفَ عن تلك الأحوال، والمواقف كشفًا تامًّا، ويبرزَها في معرض المحسوس المشاهد؛ فأتبعها بضرب هذين المثلين، زيادة في التوضيح والتقرير، ومبالغة في البيان.

هؤلاء المنافقون هم الذين ضرب الله تعالى لهم هذين المثلين، اللذين يصوران حقيقة أحوالهم، ويكشفان عن مكنون صدورهم، ويفضحان نفاقهم، ويرسمان ما كان يتولَّد في نفوسهم عند سماعهم القرآن من قلق واضطراب، وذعر وخوف، وحسرة وحيرة، وتيه وضلال، نتيجة كذبهم، وخداعهم، وتعاليهم، واستهزائهم، وتآمرهم.

المثل الأول: جاء في قوله الله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: 17].

وهو مثل يصور حقيقة المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواقفهم منه بصورة طائفة من الناس مع الذي استوقد نارًا في ليلة شديدة الظلمة، فلما حصل لهم نور من ضوء تلك النار، ذهب الله بنورهم، وتركهم يخبطون في ظلمات بعضها فوق بعض؛ لأنهم آثروا الظلمة على النور، والضلالة على الهدى، كذلك كان حال المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجمهور المفسرين على القول إن مثل المنافقين، ومثل الذي استوقد نارًا معناه: صفتهم العجيبة كصفته.

والغرض من هذا التمثيل: تشبيه مثل المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثل القوم مع الذي استوقد نارًا، وما حصل لهم من إذهاب نورهم؛ لأنهم آثروا الظلمة على النور.

وتقدير الكلام: مثل المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كمثل قوم اجتمعوا مع غيرهم على ضوء نار، استوقدها رجل منهم، فلما أضاءت ما حوله وحصل لهم نور من ضوء هذه النار، ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون. فحذف من المشبه ما أثبت نظيره في المشبه به، وحذف من المشبه به ما أثبت نظيره في المشبه. وقد طُوي ذكر كل منهما اعتمادًا على أن الأفهام الصحيحة، تستخرج ما بين المشبه، والمشبه به من المطابقة برد الكلام إلى أصله على أيسر وجه وأتمه. وهذا من ألطف أنواع البديع وأبدعها.

وبهذا الفهم لمعنى الآية الكريمة يكون قوله تعالى: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ مثلًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ مثلًا للمنافقين. ويدل على ذلك ما رواه الشيخان في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ».

فمثَّل -عليه الصلاة والسلام -نفسه برجل استوقد نارًا، ومثل الناس، الذين لم ينتفعوا بضوء النار بالفراش والدوابِّ، التي تقع في النار.

هذا التشبيه يكشف حقائق نفوسهم المضطربة؛ إذ شبههم الله تعالى وقد ادعوا الإسلام وتظاهروا بالإيمان، واتخذوا الخداع وسيلة لهم، فمثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فبددت الظلام وأضاءت ما حوله، وإذا بهذه النار تنطفئ فلا يبقى منها شيء.

وتنكير لفظ (نارًا) يفيد بأنها نار عظيمة ارتفع لهيبها وسطع ضوؤها حتى أضاءت ما حولها.

وأسند الذهاب إليه سبحانه وتعالى على سبيل الحقيقة في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ للدِّلالة على المبالغة؛ ولذلك عُدِّيَ الفعل بالباء، دون الهمزة، لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك.

وآثر استخدام لفظ النور في الآية على النار وضوئها؛ لأن النور هو المراد من استيقاد النار؛ إذ هو أعظم منافعها، ولكونه الأنسب بحال المنافقين، الذين حُرموا الانتفاع والإضاءة، بما جاء من عند الله، ممَّا سمَّاه الله نورًا في قوله: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة:15]؛ فكأنَّ الله عزَّ شأنه أمسك عنهم النور، وحرمهم الانتفاع به، ولم يسمِّه سبحانه ضوءًا، أو نارًا؛ لتتأتَّى هذه الإشارة.

وقوله تعالى:﴿وَتَرَكَهُمْ﴾ فيه إشارة إلى تحقيرهم وعدم المبالاة بهم، لما فيه من معنى الطرح للمتروك.

وقوله: ﴿ظُلُمَاتٍ﴾ جمع: ظلمة، وهي عدم النور. وجاءت في الآية جمعًا ومُنكَّرة لبيان شدتها، فالظلمة المذكورة في الآية ظلمة واحدة، لا متعددة؛ ولكنها لشدتها استعير لها صيغة الجمع للمُبالغة.

ومفعول قوله: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ محذوف؛ لقصد عموم نفي المبصرات، فنزل الفعل منزلة اللازم، ولم يقدَّر له مفعول؛ كأنه قيل: لا إحساس بصر لهم. وفي نفي الفعل بـ ﴿لا﴾ دلالة على طول النفي وامتداده، واستحالة وقوع المنفي بها أبدًا.

ثم أتبعه بقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ خبر واحد لمبتدأ محذوف، هو ضمير المنافقين.

وإذا كان ظاهر اللفظ يوحي بأنهم متصفون بالصمم، والبكم، والعمى، فإن الله تعالى قد بيّن في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم، فقال جلّ جلاله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَيْء إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ ِبآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأحقاف:26].

وهذه الآية هي تتمَّة للمثل المذكور في الآية السابق وتكميل له، تُبَيّن أن ما أصابهم ليس مجرد ذهاب نورهم، وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة، مع بقاء حاسة البصر بحالها؛ بل اختلت مشاعرهم جميعًا، واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبيه.

***

(27) التشبيهات القرآنية التي تمثل الحياة الدنيا

(26) التشبيهات القرآنية الخاصة بأعمال الكافرين يوم القيامة

(25) التشبيهات القرآنية التي تصور أحوال الكافرين

والحالة الثانية: وهو ما كان يشعر به المنافقون من الحرج والضيق، وذلك حينما تنزل الآية تفضح تخاذلهم، ولكن أمرهم كان مكشوفًا وخطرهم محدودًا.

وجاء ذلك في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 19، 20].

يشبه القرآن حالهم وهم في ضيق وحرج بحال قوم يسيرون والمطر الشديد ينزل من السماء، وقد أظلم الجو، ومع هذه المطر رعد وبرق شديد اللمعان، فمنهم من يجعلون أصابعهم في آذنهم حتى لا يسمعوا صوت الرعد، بحال المنافقين الذي يدَّعون الإسلام كانوا يخشون دائمًا أن تنزل آية تنبئ عن أحوالهم وتفضحهم، فهم مضطربون دائمًا.

فهذه الآية هي المثل الثاني لهم الوارد في أوائل آيات سورة البقرة، وعطف على المثل الأول بـ (أو) فهو تمثيل لحالة مغايرة للحالة التي مُثِّلتْ في التمثيل الأول.

والصَيِّب هو المطر الشديد، الذي يَصُوب من السماء. أي: ينزل منها بسرعة، وهو مثل للقرآن الكريم؛ كما أن الذي استوقد نارًا–في المثل الأول– مثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجاء الصيِّب على صيغة (فَيْعِل) الدالة على الثبوت. وجاءت منكرة لأنه أريد به نوعٌ من المطر شديد هائل.

وجيء بلفظَيْ الرعد والبرق مفردين، خلافًا للظلمات قبلهما، وللصواعق بعدهما. والسِّرُّ في ذلك أنهما- في الأصل- مصدران. والأصل في المصادر أن لا تجمع، وإن كان جمعها جائزًا في العربية، على أنه لو جُمِعا، دلَّ جمعهما ظاهرًا على تعدد الأنواع، وكلٌّ منهما نوع واحد.

وفي قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ تنبيه على أن ما صنعوه، من سدِّ الآذان بالأصابع، لا يغني عنهم شيئًا، وقد أحاط بهم الهلاك. وفيه أيضًا مبالغة في فرط دهشتهم، وكمال حيرتهم 

***

والحالة الثالثة: وهي هيئاتهم الظاهرة التي تعجب الذين يرونهم،

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: 4].

فقد شبههم الله بالخُشب المسنَّدة بلا حركة، فهم وإن أعجبك مظهرهم لكن مخبرهم وحقيقتهم ليست شيئًا، قال الزمخشري: "فإن قلت: ما معنى قوله كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ؟ قلت: شُبِّهوا في استنادهم -وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير-بالخشب المسندة إلى الحائط ولأنّ الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع".

***

والحالة الرابعة: وهي حالتهم عندما يُدْعَون إلى الجهاد، ولكن سُرعان ما يكتشف ضعف شأنهم في ذلك الوقت،

قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 19].

ترسم هذه الآية صورة بارزة المعالم للمنافقين، عنوانها: الجبن في البأساء، والطمع في الرخاء وعند الغنيمة، وإذا جاء الخوف وبدأت المعركة رأيت هؤلاء المنافقين الجُبناء في خوف وهلع، وقد دارت أعينهم في رؤوسهم، كدوران عين الذي قَرُب من الموت، وغشيته أسبابه.

هذه الآية تبين لنا أن من صفات هؤلاء المنافقين الجُبْن والخَوَر، حالة كونهم بخلاء بكل خير يصل إليكم- أيها المؤمنون- فهم لا يعاونونكم في حفر الخندق، ولا في الدفاع عن الحق والعِرْض والشرف ولا في أي شيء فيه منفعة لكم، فقد كان عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه من المنافقين يُعَوِّقون المؤمنين يوم الخندق عن المقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصرفونهم عن نُصرته، فإذا أحاط بهم الخوف من العدو نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مذعورين تدور أعينهم يمينًا وشمالا دون أن تطرف، كما تدور عينا الذي تَغْشَاه سكراتُ الموت؛ لذهوله وشِدَّة خوفه.

فشَّبه الله عز وجل في هذه الآية دوران عيني الخائف بدوران عيني الذي تغشاه سكرات الموت، وهذا التشبيه أبلغ في وصف الخائف من جميع الأوصاف وأوقع التشبيهات لمثل هذه الحال. والمشبه به أمر محسوس وكذلك المشبه به.

ومن هذه الحالة أيضا جاء قوله تعالى في سورة محمد: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: 20].

ونرى بعد التدبر أن ما جاء في سورة محمد أكثر دلالة على الخوف مما في سورة الأحزاب، وذلك لوقوع الفروق في التراكيب في الموضعين، وهذا يعني أن المعنى وقع مرتبًا ترتيبًا تصاعديًّا، فقد جاء التشبيه بالكاف، والفعل تدور، في الأحزاب، ووجود أداة التشبيه معلن أن المعنى على الإلحاق، أي إلحاق الناقص في الصفة بالكامل فيها، أما في سورة محمد فقد حذفت الأداة، فدلَّ ذلك على قوة المشابهة بين طرفي التشبيه، وشيء آخر أنه جاء بالمشبه به اسمًا في محمد (نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)، وفي الأحزاب فقد جاء بالفعل {كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب: 19].

وقد جاء التشبيه في سورة الأحزاب في سياق الخوف، فهذه الأعين الدائرة تنظر ما حولها في المعركة، فالموقف مشحون بالخوف، أما التشبيه في سورة محمد فلم يرد في سياق الخوف، ولا سياق المعركة، لذلك نقل هنا أثر ذكر القتال في النظر فقط، وقد جاء هذا التشبيه في سياق تمني المؤمنين الموت، وقد وقع التشبيه جواب شرط (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ)، وهذا الشرط هو الذي حدَّد الظرف، وترى التشبيه ركَّز على أعينهم لأن الخوف يظهر فيها، ولم يحتج التشبيه هنا إلى دوران الأعين كما في الأحزاب.

***

وجاء الحديث عن المنافقين مختصرًا؛ لأن أمرهم كان مكشوفًا وخطرهم كان محدودًا، وجاء التشبيه بأسلوب خطابي بلاغي عن حال المنافقين؛ ليُعبر بصورة أقوى عن المعنى.

كما نهى سبحانه وتعالى المؤمنين عن أن يكونوا كالمنافقين في تخاذلهم وتقاعصهم عن القتال والسفر لطلب الرزق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: 156].

هذه الآية تحذير للمؤمنين بأن لا يكونوا كالكفار، الذي ينسون الله وقضاءه وحكمته، ويقولون لمن يخرج غازيًا أو سائحًا فيموت أو يُقتل، إنه لو لم يخرج لما مات أو قُتل، وذلك جهل منهم بأن الله قدَّر الآجال، وأن الضرب في الأرض أو الغزو، لا يكون سببًا في الموت أو القتل، وخلق الله هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم.

لقد احتوت هذه الآية على قوة نافذة من شأنها أن تمد المؤمن بالصبر والرضا والتسليم لحكم الله، وعدم الاستماع لوسوسة المنافقين ومرضى القلوب في كل زمان ومكان.

***


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق