من الشخصيات العلمية التي تستحق أن تُستعاد سيرتها، وأن تُعرَّف الأجيال الجديدة بعلمها وفكرها وعطائها، فضيلة الأستاذ الدكتور إبراهيم الخولي (1929–2023م)، أحد أعلام الفكر الإسلامي والدعوة في العصر الحديث، وصاحب الإسهامات العلمية والفكرية المتميزة، الذي عُرف بسعة علمه، وتمكنه من اللغة العربية وعلومها، حتى لُقِّب بـ«شيخ البلاغة العربية».
وفي هذا السياق، جاءت رسالة الماجستير الموسومة بـ:
«الدكتور إبراهيم الخولي (ت 2023م) وجهوده الدعوية»
للباحثة صفا حافظ حسين، المقدمة إلى كلية الإمام الأعظم الجامعة، قسم الدعوة والخطابة والفكر/ الأنبار، استكمالًا لمتطلبات نيل شهادة الماجستير في تخصص الدعوة، بإشراف الأستاذ المساعد الدكتور رائد كريم مهيدي، عام 2025م.
وتكتسب هذه الرسالة أهميتها من كونها تتناول شخصية علمية ودعوية لم تحظَ – بحسب ما توصلت إليه الباحثة – بدراسة مستقلة سابقة تتناول جهودها الدعوية، على الرغم من مكانتها العلمية والفكرية، وتنوع عطائها في مجالات المعرفة الإسلامية.
أولًا: التعريف بالعالم ومسيرته العلمية
تتناول الرسالة نشأة الدكتور إبراهيم الخولي، ومراحل تكوينه العلمي، ورحلته مع الأزهر الشريف، وتحصيله في العلوم الشرعية واللغوية والتربوية، فضلًا عن رحلاته العلمية ومشاركاته الفكرية، ومكانته بين علماء عصره، وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته.
وتكشف هذه السيرة عن شخصية علمية موسوعية جمعت بين علوم الشريعة واللغة العربية، وكان للقرآن الكريم حضور أصيل في تكوينها العلمي والروحي، كما عكست مسيرته اهتمامًا بالبحث والتدريس والحوار الفكري.
ثانيًا: منهجه في الدعوة إلى الله
خصصت الباحثة جانبًا مهمًّا من دراستها للكشف عن الأساليب والوسائل الدعوية في منهج الدكتور الخولي، ومن أبرزها:
أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة.
الحوار والمناقشة العلمية.
الاعتماد على الحجة العقلية والنصوص الشرعية في معالجة الشبهات.
توظيف الخطب والدروس واللقاءات التلفزيونية في توصيل الرسالة الدعوية.
العناية بالتعليم والتوجيه وبناء الوعي الديني.
كما أبرزت الرسالة مقومات الداعية الناجح في فكره، وفي مقدمتها العلم الشرعي الراسخ، والإخلاص، وحسن الخلق، والشجاعة في قول الحق.
ومن المعاني المهمة التي تكشف عنها هذه الدراسة أن الدعوة ليست مجرد خطاب يُلقى، وإنما هي علم وسلوك وأخلاق، وأن تأثير الداعية يرتبط بقدر ما يجمع بين صحة المعرفة وصدق التوجه وحسن التعامل مع الناس.
ثالثًا: موقفه من التحديات الفكرية المعاصرة
لم تقف الرسالة عند حدود السيرة الشخصية والمنهج الدعوي، بل امتدت إلى دراسة مواقف الدكتور الخولي من عدد من القضايا الفكرية والحضارية التي شغلت العالم الإسلامي، ومن أبرزها:
صراع الحضارات، ورؤيته للعلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية.
مواجهة التطرف والشبهات المثارة حول الإسلام، وبيان موقفه من دعاوى أن الإسلام دين تطرف.
موقفه من مفهوم وحدة الأديان، وتأكيده خصوصية العقيدة الإسلامية وخاتمية رسالة الإسلام.
موقفه من القضية الفلسطينية، وأبعادها التاريخية والفكرية.
رؤيته لوحدة الأمة الإسلامية وسبل تحقيقها.
موقفه من تجديد الخطاب الديني والدعوي، والضوابط التي ينبغي أن تحكم هذا التجديد.
وهذا الجانب يكشف عن أن اهتمام الدكتور الخولي بالدعوة لم يكن محصورًا في الوعظ والإرشاد، بل كان يمتد إلى قضايا الأمة وهويتها، وما تواجهه من تحديات فكرية وثقافية وحضارية.
رابعًا: أبرز ما انتهت إليه الرسالة
خلصت الباحثة إلى جملة من النتائج، من أهمها أن الدكتور إبراهيم الخولي كان من أبرز علماء الأزهر في العصر الحديث، وتميز بسعة علمه وموسوعيته، وأنه قدم نموذجًا للعالم المستقل الذي لا يجعل العلم والدعوة وسيلة لتحقيق المنافع الشخصية.
كما أبرزت أثره في الفكر الإسلامي المعاصر من خلال دروسه وبرامجه ومشاركاته العلمية، وما تركه من أثر في أجيال من العلماء والباحثين.
ومن النتائج المهمة كذلك تأكيده أن الدعوة وظيفة ذات تكليف إلهي، غايتها هداية الخلق، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للكسب أو تحقيق المصالح الشخصية.
خامسًا: شهادة تلميذ ووفاء أستاذ
ولأنني ممن تشرفوا بالتتلمذ على يد الدكتور إبراهيم الخولي – رحمه الله – فإن حديثي عنه ليس حديث باحث يقرأ سيرة عالم من خلال الكتب والمراجع فحسب، بل هو أيضًا حديث تلميذ عرف أستاذه، وتتلمذ على علمه، وشهد له بالفضل وسعة المعرفة وعمق الفكر.
لقد كان – رحمه الله – نموذجًا للعالم الأزهري الذي يجمع بين التمكن العلمي، والاعتزاز بالهوية، والغيرة على الدين، والقدرة على المحاورة والإقناع. وإنني إذ أستعيد ذكريات التلمذة عليه، أستحضر ما كان يمثله من قيمة علمية وفكرية، وأشعر بأن من الوفاء له أن يُعرَّف بعلمه، وأن تُستعاد جهوده، وأن يتواصل البحث في تراثه وآثاره.
ومن هنا، فإنني أُثمِّن جهد الباحثة في اختيار هذه الشخصية العلمية موضوعًا لرسالتها، وأقدّر سعيها إلى جمع جوانب من سيرته وجهوده الدعوية، فالعلماء لا يُوفَّون حقهم بمجرد الثناء عليهم، وإنما يكون الوفاء لهم بالتعريف بعلمهم، وإحياء تراثهم، واستكمال البحث في آثارهم.
كلمة أخيرة
إن استعادة سير العلماء ليست مجرد استحضار للماضي، وإنما هي قراءة لتجارب علمية وفكرية يمكن أن تسهم في بناء الحاضر وتوجيه المستقبل.
والدكتور إبراهيم الخولي واحد من تلك النماذج التي تستحق مزيدًا من التعريف والدراسة، لا سيما أن شخصيته جمعت بين التمكن من علوم العربية، والرسوخ في العلوم الشرعية، والاشتغال بقضايا الفكر الإسلامي، والحضور في ميدان الدعوة والحوار.
وتُحسب للباحثة صفا حافظ حسين عنايتها بهذه الشخصية، وفتح المجال أمام دراسات أخرى تتناول إنتاج الدكتور الخولي العلمي والبلاغي والفكري، وتحلل منهجه في معالجة القضايا المعاصرة.
وقد أوصت الباحثة بمزيد من الدراسات المتخصصة في منهجه البلاغي والفكري، ومقارنته بغيره من أعلام الفكر الإسلامي، وهي توصية جديرة بالاهتمام؛ فتراث هذا العالم لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية واحدة، بل يستحق دراسة متعددة الجوانب، تكشف عن ثراء عطائه وتنوع إسهاماته.
رحم الله أستاذنا الدكتور إبراهيم الخولي رحمة واسعة، وجزاه عنا وعن العلم وأهله خير الجزاء، وبارك في كل جهد علمي يسعى إلى إبراز سير العلماء والتعريف بتراثهم.
والله من وراء القصد.
.jpeg)