الأربعاء، 18 مارس، 2009

البيان البلاغي عند العرب معناه أطواره

الحمد لله الرحيم الرحمن علّم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، والصلاة والسلام على رسول الله أفصح من نطق وأبان وبعد:
وردت كلمة "البيان" في المعاجم العربية بمعنى: ما تبين به الشيء من الدلالة وغيرها؛ تقول بان الشيء بيانا: اتّضح، فهو بيّن، والجمع: أبْيناء، والبيان: الفصاحة واللَّسَن، وكلام بيّن: فصيح، وفلان أبْين من فلان، أفصح وأوضح كلاماً منه، والبيان: الإفصاح مع ذكاء، والبيان إظهار المقصود بأدلّ لفظ، وهو من الفهم وذكاء القلب مع اللَّسَن، وأصله الكشف والظهور.
فمادة البيان تدور حول معنى: الدلالة، والفصاحة، والوضوح، والكشف، والظهور، وقد استمرت هذه المعاني مستقرة حتى ظهرت باكورة الدراسات البيانية المتخصصة متمثلة في كتاب (البديع) لمؤلفه الأمير الشاعر ابن المعتز المتوفى سنة 296هـ؛ استجابة لدعوة الجاحظ المتوفى سنة 255هـ القائمة على تحقيق التأنق في رسم الصورة الأدبية، والكشف عن الوسائل التي تزدان بها تلك الصورة، وتزداد بها وضوحاً وروعة، وكتاباه: (البيان والتبيين)، (الحيوان) يمثلان أسلوبه ومنهجه في هذه الدعوة إلى النهج البياني، وبهما اعتبره البعض مؤسس البيان العربي المختلفة(
[1])، بل إن لكل صناعة ألفاظها قد حصلت لأهلها بعد امتحان سواها، فلم تلزق بصناعتهم إلا بعد أن كانت مُشَاكِلاً بينها وبين تلك الصناعة.
وقبيح بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلمين في خطبة أو رسالة، أو مخاطبة العوام والتجار، أو في مخاطبة أهله وعبده، أو في حديثه إذا تحدّث، أو خبره إذا أخبر، وكذلك من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب، وألفاظ العوام وهو في صناعة الكلام داخل، ولكل مقام مقال، ولكل صناعة شكل(
[2]).
وعلى هذا فالبيان عند الجاحظ هو: الدلالة الظاهرة على المعنى الخفي، وهو اسم جامع لكل شيء كشف لك عن قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير؛ حتى يُفضَى السامع إلى حقيقته، لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع؛ إنما هو: الفهم والإفهام؛ فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع.ثم إن أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء:
(1) اللفظ، (2) الإشارة، (3) العْقَدْ، (4) الخطّ، (5) الحال الدّالة التي تُسمى: نِصبة (بكسر النون).
وهكذا ترى أن المعنى اللغوي للبيان هو الذي سيطر على فكر الجاحظ، واستبدّ بخياله، وينتهي القرن الثالث الهجري الذي برز فيه الجاحظ، ويأتي القرن الرابع ليخرج أبو الحسين إسحاق بن وهب الكاتب كتابه: (البرهان في وجوه البيان) مقتفياً طريق الجاحظ في البيان والتبيين ناقداً إيَّاه، من حيث إنه وجد فيه أخباراً منتخلة، ولم يأت فيه بوصف البيان، ولا أتى على أقسامه في هذا اللسان، حتى بات هذا الكتاب غير مستحق لهذا الاسم الذي نسب إليه(
[3]) والبيان عنده على أربعة أوجه:
(1) فمنه بيان الأشياء بذواتها، وإن لم تُبيّن بلغاتها، وهو بيان الاعتبار.(2) ومنه البيان الذي يحصل في القلب عند إهمال الفكرة واللُّبّ، وهو بيان الاعتقاد.(3) ومنه البيان: الذي هو نطق باللسان وهو: بيان العبارة.(4) ومنه البيان بالكتاب: الذي يبلغ من بعُد، أو غاب(
[4]).
وإنك حين تتأمل في هذه الأوجه تجدها قريبة من صنوف البيان التي قالها من قبل؛ إذ بيان الاعتبار، والاعتقاد عند ابن وهب هما معاً: بيان (( النّصبة )) عند الجاحظ، وبيان العبارة هو بيان ((اللفظ)) عند الجاحظ، وبيان الكتاب هو: بيان (( الخط)) عند الجاحظ، فمحاولة ابن وهب إنما هي ترديد لما صنعه الجاحظ، فلا يدع أن يستمر البيان في نطاق معانيه اللغوية، ونجد عالماً آخر هو الرماني في كتابه: (النكت في إعجاز القرآن) يشرح البيان: بأنه الإحضار لما يظهر به تمييز الشيء من غيره، وأقسامه أربعة: كلام، وحال، وإشـارة، وعلامة(
[5]).
ثم يأتي القرن الخامس الهجري عصر النضج البلاغي، ولا نجد غير التعميم لكلمة: البيان، فنجدها مرادفة للظهور في تعريف الفصاحة عند ابن سنان الخفاجي المتوفى سنة 466هـ، كما وردت في معرض كلامه عن الأسباب التي لأجلها يغمض الكلام على السامع، ولا يعني بها إلا الظهور والإيضاح، وكذلك نراها في حديثه عن التشبيه، وحسن الاستعارة(
[6])؛الاستعارة2؛ فلم ترد كلمة البيان إلا مرادفة للكشف والظهور والوضوح، وكذلك كان الأمر عند معاصره إمام البلاغة ومؤسسها عبد القاهر الجرجاني في كتابيه: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، فنراه يجعل البيان مرادفاً للفصاحة، والبلاغة، والبراعة وكلها تعني عنده: وصف الكلام بحُسن الدلالة، وتمامها فيما له كانت دلالة، ثم تبرجها في صورة هي أبهى وأزين، وأنقى وأعجب([7]).
ولم يكن ابن رشيق القيرواني المتوفى سنة 462هـ _صاحب (العمدة)(
[8]) الذي عاش في المغرب- أبعد أثرا من معاصريه: الخفاجي، والجرجاني اللذين عاشا في المشرقن فكل ما صنعه أنه عقد باب ((البيان)) في كتابه، ونقل فيه تعريف الرُمَّاني للبيان، ثم ساق أمثلة للبيان الجيّد، وللبيان الموجز، وأتبع ذلك بأنماط من أقوال الخلفاء الراشدين؛ منهياً إلى أن الجاحظ _وهو عَلاَّمة وقته _ استفرغ الجهد وصنع فيه كتاباً لا يُبلَغ جودة وفضلا ثم ما ادّعى إحاطة بهذا الفن لكثرته، وأن كلام الناس لا يحيط به إلا الله عز وجل.
وظلت هذه المفاهيم: البيان، البلاغة، البراعة، الفصاحة، البديع متشابكة لا تحديد فيها، ومختلطة لا تمييز بينها، حتى كان تقسيم علوم البلاغة على يد صاحب (مفتاح العلوم) أبو يعقوب يوسف السكَّاكي المتوفى سنة 626هـ؛ حيث جعل البلاغة علمين هما: المعاني والبيان(
[9])، وألحق وجوه تحسين الكلام وتزيينه بهذين العلمين([10]).
وبهذا التقسيم برز البيان الاصطلاحي الذي عرّفه السكاكي بقوله: "هو معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه، وبالنقصان؛ ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه"(
[11]).
ولقد سلم هذا التقسيم وذاك التحديد للسكاكي فكراً وتطبيقاً على الرغم من أن الزمخشري المتوفى في 528هـ هو أول من أطلق هذه التسمية! علم المعاني وعلم البيان، في مقدمة تفسيره المعروف بـ(الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)؛ حيث قال: "ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعاني، وعلم البيان"(
[12]).
وواضح أن الزمخشري لم تظهر لديه الفروق بين أنواع هذين العلمين، فخلط بين هذه الأنواع، ولم تكن له مزية سوى السبق إلى هذه التسمية، على أنه مما لا شك فيه أن صنيع السكاكي قد شجع الخطيب القزويني على جعل علوم البلاغة ثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع، وشرح البيان بقوله: "علم يُعرَف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه"(
[13]).
وهذا التعريف على وجازته مقتبس من تعريف السكاكي؛ كما ترى.ولما جاء السَّعد التفتازاني المتوفى سنة 792هـ صاحب المطوّل، والمختصر في شرح: تلخيص المفتاح للخطيب القزويني ذكر في كتابه المطول تعريف الخطيب السابق، وتعريفاً آخر للبيان قائلا: "والأقرب أن يُقال: علم البيان: علم يُبحث فيه عن التشبيه والمجاز، والكناية"(
[14]).
والذين جاءوا من بعد السعد من علماء البلاغة المتأخرين لم يزيدوا على ذلك شيئاً عن التعريفين المشهورين لدى البيانيين.
هذا ومن الوضوح بمكان أن ابن المعتز قد سمَّى كتابه ((البديع)) الذي أرسى به أسس البلاغة الفنية الخالصة، وهو غير البديع الذي جعله الخطيب علماً ثالثاً مستقلا عن علمي: المعاني، والبيان، ذلك أنه يعني بالبديع: الجديد المستحسن لطرافته وغرابته لدى النفوس، بل إن البديع تعبير عن مسلك تجديدي في الشعر العباسي كان يقوده الشعراء: مُسلم بن الوليد، وابن المعتز، وأبو تمام، والبحتري، وغيرهم ممن نهج طريق التجديد البديعي والصياغي.ثم ذهب شراح التلخيص إلى القول بأنه يمكن أن تطلق: البديع على علوم البلاغة الثلاثة؛ لبداعة مباحثها وحسنها؛ لأن البديع: وهو الشيء المستحسن؛ لطرافته وغرابته، وعدم وجود مثاله من جنسه، ومباحث هذه العلوم كذلك، كما أنهم ذهبوا إلى أن كثيراً من الناس يسمي الجميع: علم البيان؛ لأن البيان هو: المنطق الفصيح المُعرِب عما في الضمير، ولا شك أن العلوم الثلاثة لها تعلُّق بالكلام الفصيح تصحيحاً وتحسيناً(
[15]).
وبهذا تكون طرائق البلاغيين في هذا الإطلاق ثلاثة:
(1) التقسيم الثلاثي: المعاني، البيان، البديع، كما يظهر في صنيع صاحب تلخيص المفتاح والإيضاح؛ حيث سَمَّى كل فن منها باسمه.
(2) اتجاه الكثرة إلى إطلاق اسم البيان على العلوم الثلاثة.
(3) اتجاه البعض إلى إطلاق اسم البديع عليها.
ومهما تنوعت الطرائق فإن مفهوم البيان يظل دائراً بين معنيين في حياتنا المعاصرة هما:
1_ معنى أدبي واسع: ينتظم الإفصاح عن كل ما يختلج في النفس من المعاني والأفكار، والأحاسيس والمشاعر؛ بأساليب لها حظها الممتاز من الدقة والإصابة، والوضوح والجمال، وهو بهذا التعميم يجمع فنون البلاغة الثلاثة.
2_ معنى علمي محدود هو: التعبير عن المعنى الواحد بطريق الحقيقـة أو المجاز أو الكناية(
[16])وهو أحد فروع البلاغة عند أهل الاصطلاح.
ولعل التعريف الذي ترتضيه للبيان الاصطلاحي هو: التعبير عن المعنى الواحد بطريق التشبيه، أو المجاز، أو الكناية، ذلك أنها الطرق التي يستخدمها الأدباء في صياغة آثارهم الأدبية الرائعة، بل هي الدلالات الخاصة التي تنتظم أسرار الفصاحة والبلاغة في جو الأساليب التي ينشئها هؤلاء الأدباء؛ تعبيراً عن أفكارهم، وتصويراً لعواطفهم، وهذه الأساليب تتفاوت وضوحاً وخفاء، قوة وضعفا.
ولا شك أن البيان العربي تجود به الفكرة، وتتضح به الصورة؛ ومن ثمّ كثر عُشّاقه على مرّ العصور يعمدون إليه، ويحرصون عليه، وقد تأكدّت منزلة البيان الرفيعة مع تعاقب الأيام والأعوام؛ لأهمية موضوعه؛ فما موضوعه ذلك؟ وما مكانه من البلاغة؟ هذا موضوع مقال تال ٍنرجو أن نوفق إليه إذا شاء الله تعالى، هذا وبالله التوفيق.
المصدر: البيان البلاغي عند العرب معناه ، أطواره، الدكتور عبد الحميد العبيسي - رحمه الله - أستاذ البلاغة والنقد في كلية اللغة العربية - جامعة الأزهر بالقاهرة.
الهوامش:

([1]) الحيوان: ج1/45.
([2]) المرجع السابق ج 3: 114.
([3]) نقد النثر (جزء من البرهان) ص 3 ط 1939 وزارة المعارف مصر.
([4]) المرجع السابق ص 9، ص10.
([5]) النكت (من ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) ص 98 ط دار المعارف بمصر.
([6]) سر الفصاحة 55، 211، 235 ط صبيح بمصر 1953م.
([7]) دلائل الإعجاز 4، 30 ط الفنية المتحدة بمصر سنة 1961م.
([8]) العمدة في الصناعة الشعرية ونقده ج 1 254- 257 ط السعادة بمصر.
([9]) مفتاح العلوم من ص 86 إلى ص 224 ط الأدبية بمصر 1317هـ.
([10]) المرجع السابق من ص 224 إلى ص 229 .
([11]) المرجع السابق ص 86 .
([12]) الكشاف ج 1 ص 14 ط الأميرية سنة 1318هـ.
([13]) الإيضاح مع شروح التلخيص ج 3 ص 258 ط الأميرية سنة 1317هـ.
([14]) المطول ص 310 ط كامل سنة 1330هـ.
([15]) شروح التلخيص ج 1 ص 151 ط الأميرية سنة 1317هـ.
([16]) فن التشبيه علي الجندي ج 1 ص 17 ط نهضة مصرية سنة 1952م.

‏ليست هناك تعليقات: