الثلاثاء، 10 مارس، 2009

جهود الأشاعرة في علم البلاغة – الباقلاني نموذجًا

التعريف بالباقلاني:
هو: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، القاضي، أبو بكر الباقلاني البصري، المتكلم المشهور، ولد سنة 338 هـ ونشأ بمدينة البصرة، كان تلميذا لأبي الحسن الأشعري، مؤيدا لمنهجه واعتقاده، وناصرا طريقته ... كان أوحد زمانه، وانتهت إليه الرياسة في مذهبه، وكان موصوفا بجودة الاستنباط، وسرعة الجواب، كثير التطويل في المناظرة، مشهورا بذلك عند الجماعة. وقد ساهم في علوم عديدة حتى أطلق عليه (سيف أهل السنة في زمانه، وإمام متكلمي أهل الحق في وقته، ولسان الأمة ، المتكلم على مذهب المثبتة وأهل الحديث ، وطريقة أبي الحسن الأشعري).
وقد وجهه عضد الدولة سفيرًا عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها.
وللباقلاني مؤلفات عديدة تقارب الخمسين كتابا كما ذكرتها كتب التراجم التي ترجمت له، وأهمهما : (إعجاز القرآن الكريم) و (الإنصاف) و (دقائق الكلام) و (الملل والنحل) و (هداية المرشدين) و (الاستبصار) و (التمهيد، في الرد على الملحدة والمعطلة والخوارج والمعتزلة) ... وغير ذلك.
توفي رحمه الله ودفن في بغداد سنة 403 هـ
جهود الباقلاني في البحث البلاغي:
اهتم كتابه إعجاز القرآن بقضايا الإعجاز القرآني، وهو من أنضج الكتب التي ألف حول الإعجاز، إلا أنه في الوقت ذاته من المصادر البلاغية الأساسية، التي أسهمت في تحديد مسار البلاغة.
إن القضايا البلاغية ومباحثها المتعددة ، تختلط في الكتاب بالقضايا الكلامية اختلاطا متوازنا، فتنفرد القضايا البلاغية ببعض الفصول، وكذلك الفصل الطويل الذي خصصه للحديث عن البديع من الكلام، وذلك في الفصل الأخير عن (وصف وجوه البلاغة) الذي يتتبع فيه وجوه البلاغة العشرة، التي سبق أن أوردها الرماني في كتابه (النكت في إعجاز القرآن).
وتنفرد القضايا الكلامية ببعض فصول الكتاب، كذلك الفصل الذي عده في أول الكتاب عن : أن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم معجزتها القرآن، والبعض الثالث من فصول الكتاب شركة بين القضايا البلاغية والقضايا الكلامية، كالفصل الذي كتبه عن (جملة وجوه إعجاز القرآن) حيث يحصر الإعجاز القرآني في هذا الفصل في مجموعة وجوه، بعضها كلامي ، وبعضها بلاغي.
والذي يهمنا هو التعرف على المباحث البلاغية في كتابه (إعجاز القرآن) ومدى تمثلها لطبيعة عصره، وأن نتعرف على إسهاماته في تطوير البحث البلاغي من ناحية أخرى.
ونظرة فاحصة ي الفصل الذي عقده الباقلاني في (جملة وجوه إعجاز القرآن) نجد أن حدد وجوه الإعجاز في ثلاثة وجوه أساسية، ينقلها عن أساتذته الأشاعرة.
أولها: إخباره الصادق عن الغيوب، الأمر الذي يخرج عن طوق البشر واستطاعتهم.
وثانيها: إخباره عن قصص الماضيين وسِيَر الأمم الخالية منذ عهد آدم عليه السلام ، وحتى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من أمية الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم معرفته شيئا من كتب المتقدمين، وقصصهم وأخبارهم.
وثالثها: نظمه البديع، وتأليفه العجيب، وبلاغته المتناهية التي يعجز البشر عن محاكاتها.
بيد أن الباقلاني لا يقف طويلا أمام الوجهين الأولين، بل يوجه جل عنايته إلى الوجوه الثالث (البلاغي) حيث يحاول بطريقته الخاصة – طوال الكتاب – أن يثبت تميز الأسلوب القرآني، والبلاغة القرآنية على أسلوب البشر وبلاغتهم، وينهج في ذلك نهجا جديدا مغايرا للمناهج التي انتهجها السابقون في إثبات الإعجاز البلاغي للقرآن.
فهو يرفض فكرة إثبات الإعجاز البلاغي للقرآن عن طريق ما فيه من بديع، وذلك لأنه على حد تعبيره: «لا سبيل إلى معرفة إعجاز القران من البديع الذي ادّعوه في الشعر ووصفوه فيه وذلك أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة ويخرج عن العرف بل يمكن استدراكه بالتعلم والتدرب به والتصنع له كقول الشعر ورصف الخطب وصناعة الرسالة والحذق في البلاغة وله طريق يُسلك ووجه يِقصد وسلم يُرتقى فيه إليه«([1]) أي: أن البديع ببساطة لا يخرج عن طوق البشر ، فلا يعجز أي إنسان أن يأتي في كلامه بتشبيه أو استعارة ، أو طبا؛ لأن البديع في حد ذاته غير معجز، وإنما المعجز هو الصورة الباهرة التي وجد عليها في القرآن، واتساقه مع سائر النظم القرآني اتساقا عجيبا ورائعا، بينما نجد أن الشعر والنثر البشري على يحتوي على التشبيه البليغ أو الاستعارة الجيدة ولكن يوجد إلى جوارها التعبير الساقط ، واللفظ المبتذل، وهذا ما أجهد الباقلاني نفسه طوال الكتاب لإثباته.
والباقلاني يستخدم مصطلح البديع بمفهومه العام الشامل الذي كان متعارفا عليه في عصره، فالبديع عنده يشمل كل المباحث والفنون البلاغية، أي: أنه يضم مباحث علوم البلاغة الثلاثة - التي لم تكن في عصره – قد تحددت وتمايزت واستقلت ، وهي: البيان ، والمعاني ، والبديع. فهو مثلا يرى أن الاستعارة والتشبيه من البديع، وهما كما نعلم أصبحا – فيما بعد – من أهم مباحث علم البيان، وهو يعتبر المساواة وبعض صور الإطناب من البديع ، ونحن نعلم أنهما أصبحا من موضوعات علم المعاني. وهو يعتبر أن مجموعة من الصور البديعية التي استقرت فيما بعد تحت عنوان البديع ، مثل المطابقة والتجنيس ، ورد الأعجاز على الصدور وغيرها.
وكما يرفض الباقلاني فكرة التوصل إلى إثبات إعجاز القرآن عن طريق ما فيه من بديع، فإنه يرفض أيضا فكرة التوصل إلى إثبات إعجاز القرآن عن طريق أقسام البلاغة العشرة التي حددها الرماني ، حيث عقد فصلا بعنوان (فصل في وصف وجوه البلاغة) لـخَّص فيه أقوال الرماني الذي يشير إليه – وإن كان لا يصرح باسمه – حيث يقول (ذكر بعض أهل الأدب والكلام أن البلاغة على عشرة أقسام).
وبعد أن ينتهي من تلخيص آراء الرماني حول هذه المباحث، يشير إلى أن البعض يرى أنه من الممكن التوصل إلى إعجاز القرآن من هذه الوجوه، بيد أنه يرفض هذا الرأي، ثم يقرر أن هذه الوجوه العشرة تنقسم إلى قسمين:
1- قسم يمكن الوقوع عليه والتعمل له ، ويُدرك بالتعلم، فما كان كذلك فلا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن به.
2- أما القسم الثاني فهو : (ما لا سبيل إليه بالتعمل من البلاغات، فذلك هو الذي يدل على إعجازه.
ويضرب لذلك مثلا، بأننا لو قلنا: بأن ما في القرآن من تشبيه معجز في ذاته، فسوف يعترض علينا بما في الأشعار من تشبيهات رائعة ، ويمثل لذلك بما في شعر ابن المعتز من تشبيه بديع يشبه السحر.
وينتهي الباقلاني من ذلك ، إلى أن مثل هذه الوجوه البلاغة ليست معجزة في حد ذاتها ، وإنما المعجز في هذه الوجوه هو أولا: حسنها البالغ وسموها، وثانيها : ارتباطها واتساقها مع بقية الكلام ، على نحو بالغ الروعة والتكامل ، بحيث لا يحس القارئ بأي قدر من التفاوت البلاغي، في هذا الكلام الرباني ، الذي يضارع بعضه بعضا في البلاغة والفصاحة.
والباقلاني يحصر الوجه البلاغي للإعجاز القرآني (أي : بديع نظمه) في وجوه عشرة، بعضها يرجع إلى القرآن في جملته، وبعضها يرجع إلى بعض أساليبه، وبعضها يرجع إلى مفرداته، وبعضها يرجع إلى حروفه.
وإن كان لا يصنف هذه الوجوه العشرة على النحو التالي:
1- فمما يرجع إلى جملته ، كونه خارجًا عن المألوف من كلام البشر، والمعروف من تنظيم خطابهم ، فليس هو بالشعر، ولا بالنثر، وليس هو بالسجع ... إلى آخر ما هو معروف للبشر من أجناس الكلام، وهو يبذل جهدا كبيرًا في محاولة إثبات مخالفة القرآن في جملته لجنس الكلام البشري.
ومما يرجع إلى جملته أيضا، أنه لم يعهد للعرب كلام يشتمل على ما في القرآن من فصاحة وبلاغة، ومعان في مثل طول القرآن ، وإنما عرفت لهم مقطوعات نثرية قصيرة، وقصائد شعرية معدودة لم تخل من نقص وعيب.
ومما يرجع إلى جملته كذلك : أنه على تعدد أغراضه ومراميه من قصص ومواعظ وأحكام ، وترغيب وترهيب، لا يتفاوت في بلاغته، فهو دائما على درجة واحدة من البلاغة السامية، بينما نجد أن الشعراء والأدباء المجيدين ، إنما يجيدون في بعض الأغراض دون سواها، فالذي يجيد في المدح لا يجيد في الهجاء مثلا، والذي يبرع في الخطب لا يبرع في الحكم والأمثال، ونحو ذلك.
2- وأما ما يرجع إلى أساليبه، فيذكر من ذلك أن القرآن الكريم ، قد اشتمل على كل الأساليب البلاغية ، التي تنبني عليها أجناس الكلام البشري، من إيجاز وإطناب، ومجاز وحقيقة، واستعارة وتصريح، كل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم ، في الفصاحة والإبداع والبلاغة.
ويذكر من ذلك أيضا أن بلاغته لا تتفاوت في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، ولا من طريقة من طرق القول إلى طريقة أخرى ، ويذكر من ذلك – أخيرًا – أننا إذا أخذنا آية قرآنية ووضعناها في ثنايا أي كلام ، نظمًا كان أو نثرا ، فإنها تكون هي واسطة العقد في هذا الكلام (كالدرة التي ترى في عقد من الخرز) على حد تعبيره.
3- وأما ما يرجع إلى مفرداته، فمن ذلك أنه استعمل بعض المفردات في معان ومدلولات جديدة، لم تكن مألوفة في البيئة العربية قبل الإسلام. ومن ذلك أيضا بُعده عن المفردات المستكرهة ، الثقيلة على السمع.
4- وأما ما يرجع إلى حروفه ، فهو أن في القرآن ثمان وعشرين سورة افتتحت بحروف مقطعة من الحروف العربية الثمانية والعشرين، وقد اشتملت هذه السور على أربعة عشر حرفا من حروف الهجاء، أي نصف حروف الهجاء، وهذه الحروف الأربعة عشر اشتملت على نصف كل قسم من الأقسام التي انقسمت إليها حروف العربية، حيث اشتملت على نصف حروف الهمس([2]) ونصف حروف الجهر([3]) ، كما اشتملت على نصف حروف الحلق([4]) ، ونصف حروف الإطباق([5]) ، ونصف الحروف الشديدة([6]) (الانفجارية).
وهذا التنظيم والتقسيم البديع ، هو بدون شك وجه من وجوه الإعجاز الناصعة في القرآن الكريم.
وواضح لنا أن القاسم المشترك بين هذه الوجوه هو مخالفة البيان القرآني لكلام البشر، وهذه هي القضية الأساسية التي شغل الباقلاني (نفسه على امتداد صفحات كتابه) وهو في سبيل إثبات هذه القضية يعمل إلى تحليل بعض النماذج الأدبية الرائعة، التي اتفق الجميع على بلاغتها ، ليبين ما فيها من عيوب تعبيرية ، ويحلل في مقابل ذلك آيات وسورًا من القرآن، يبين ما فيها من بلاغة لا تتفاوت ولا تهبط.
وفي سبيل تفضيل الأسلوب القرآني على الأسلوب البشري ارتكب الباقلاني ألوانا من التعسف والتكلف، وأجهد نفسه في تمحل العيوب في نماذج الشعر التي اختارها ، ولكنه حتى في تعسفه وتحامله كان يصدر عن ذوق نقدي بارع، هو الذي جعله يجرؤ على هذه المهمة الصعبة، فقد كان من بين النماذج التي اختارها وبيان ما فيها من عيوب (معلقة امرئ القيس ، وقصيدة البحتري المشهورة). هذا وقد تناثرت خلال الكتاب مجموعة من الآراء البلاغية والنقدية الدقيقة ، من مثل نظرته إلى ضرورة وحدة العمل الأدبي، وموقفه من قضية المحسنات البديعية، فللباقلاني موقف على قدر من النضج والتبلور، فيما يتصل بموضوع وحدة العمل الأدبي، وقد تجلى هذا الموقف في أكثر من موضع في الكتاب ، وبأكثر من صورة.
موقف الباقلاني من المحسنات البديعية:
إن موقف الباقلاني من قضية (المحسنات البديعية) لم يكن أقل نضجا وتفتحا من موقفه من قضية (وحدة العمل الفني) فهو لا يفتأ يلح على انتقاد هذه المحسنات إذا لم يقتضها المعنى، ويستلزمها السياق الفني ، أي: أنه يعد هذه المحسنات أدوات فنية تعبيرية، تكتسب قيمتها الفنية من الدور التعبيري الذي تؤديه، فإذا لم تؤد دورا في العمل الأدبي كانت عيبا من العيوب ، وليست مزية من المزايا.
المصدر: كتاب المباحث البلاغية في ضوء قضية الإعجاز القرآني ، نشأتها وتطورها حتى القرن السابع الهجري، تأليف الدكتور : أحمد جمال العمري، أستاذ الدراسات القرآنية ، ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها بكليتي الآداب والتربية – جامعة الزقازيق، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة.
الهوامش:
([1]) إعجاز القرآن للباقلاني ص 111
([2]) الحروف المهموسة عشرة، هي: الحاء والهاء والخاء والكاف والشين والثاء والفاء والتاء والصاد والسين.
([3]) الحروف المجهورة وهي الحروف غير المهموسة، والمجهورة معناه: أنه حرف أشبع الاعتماد في موضعه.
([4]) حروف الحلق ستة، وهي: العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والغين.
([5]) حروف الإطباق أو المطبقة أربعة وهي: الطاء والظاء ، والصاد والضاد.
([6]) الحروف الشديدة ، هي: التي تمنع الصوت أن يجري فيه، وهي: الهمزة والقاف، والكاف والجيم والظاء ، والذال، والطاء ، والباء

ليست هناك تعليقات: