الاثنين، 9 فبراير، 2009

أسلوب القسم في القرآن الكريم - بلاغته وأغراضه. د. سامي عطا حسن

أسلوب القسم الظاهر في القرآن الكريم
بلاغته … وأغراضه

د. سامي عطا حسن
جامعة آل البيت – المفرق
المملكة الأردنية الهاشمية


ملخص
افتتح القرآن الكريم كثيرا من السور القرآنية بالقسم ، وأورد أقساما في ثنايا عدد غير قليل منها ، وأسلوب القسم في اللغة العربية من المؤكدات المشهورة ، التي تمكن الشيئ في النفس وتقويه ، وقد نزل القرآن الكريم للناس كافة ، ووقف الناس منه مواقف متباينة ، فمنهم الشاك ، ومنهم المنكر ، ومنهم الخصم الألد ، فجاء القسم في كتاب الله ، لإزالة الشكوك ، وإحباط الشبهات ، وإقامة الحجة ، وتوكيد الأخبار ، لتطمئن نفس المخاطب إلى الخبر ، لا سيما في الأمور العظيمة التي أقسم عليها .
لقد أقسم الله بمخلوقاته مع نهيه عن القسم بغيره ، للأشارة إلى أن هذه المخلوقات ، ما هي إلا آيات يستنير بها أولوا الألباب في مناهج الاستدلال على وجود الصانع الحكيم ، ولتصحيح العقائد الباطلة ، فالقسم بالنجم إذا هوى وأمثال ذلك ، فيه رد على من اعتقدوا ألوهية الكواكب ، وللفت الأنظار إلى الكون وما يحويه من حقائق وأسرار ، ونظام بديع محكم ، ولتقرير أن الكتاب الذي جاء به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منزل من عند الله ، وأن الله تكفل بحفظه من التبديل ، والتحريف ، والنقص ، والزيادة ، وأنه كتاب هداية ، ينير البصائر والأبصار ، لتهتدي إلى أقوم طريق .

أسلوب القسم الظاهر في القرآن الكريم
بلاغته …… وأغراضه
تمهيد:
أسلوب القسم في اللغة ، طريق من طرق توكيد الكلام ، وإبراز معانيه ومقاصده على النحو الذي يريده المتكلم ، إذ يؤتى به لدفع إنكار المنكرين ، أو إزالة شك الشاكين .والقسم من المؤكدات المشهورة التي تمكن الشيئ في النفس وتقويه ، ومعلوم أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب ، وعلى أسلوب كلامهم ، ومناحي خطابهم ، وكان من عادتهم أنهم إذا قصدوا توكيد الأخبار وتقريرها ، جاءوا بالقسم ، وعلى هذا جاءت في القرآن الكريم أقسام متنوعة ، في مواضيع شتى ، لتوكيد ما يحتاج إلى التوكيد .
والأقسام التي جاء بها القرآن الكريم على ضربين :
الضرب الأول : - ما ورد على طريق الحكاية ، في ضمن ما قصه القرآن من قصص المخلوقين ، كقوله تعالى حكاية لقول إبراهيم – عليه السلام – لقومه : - ( تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين )[1] وكقوله سبحانه مخبرا عما كان يقوله كفار مكة ، قبل بعثة المصطفى – عليه الصلاة والسلام – ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم )[2].
وهذا الضرب من القسم كثير في القرآن ، وليس من غرضي أن أخوض فيه في هذا البحث .
الضرب الثاني : ما أقسم الله تعالى به ، وهذا على نوعين :
النوع الأول : القسم المضمر ، وهو القسم المحذوف ، المدلول عليه بجوابه المقرون باللام ،
كقوله تعالى : ( لتبلون في أموالكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ) [3] تقديره : والله لتبلون ولتسمعن ، بدلالة الجواب المقرون باللام .
أو المدلول عليه بالمعنى والسياق ،كقوله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا )[4]، أي : والله ما من كافر إلا وارد النار ، بدلالة المعنى والسياق ، لأن هذه الآية جاءت بعد آيات مؤكدات بالقسم الملفوظ ، وهو قوله تعالى : ( فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا . ثم

لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا . ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا ) [5] فدل القسم الملفوظ على القسم الملحوظ ، وهذا النوع من القسم كثير في القرآن كذلك ، وهو خارج عن نطاق هذا البحث .
النوع الثاني : القسم الظاهر ، وهو الملفوظ ، وهو ما سيكون عليه مدار هذا البحث .
وقد اشتمل هذا البحث على تمهيد ، وسبعة مباحث ، وخاتمة :
بينت في المبحث الأول : الأصل الإشتقاقي لألفاظ القسم .
وبينت في المبحث الثاني : أركان القسم .
وفي المبحث الثالث : حققت القول في المقسم به المبدوء بأداة النفي .
وفي المبحث الرابع : بينت أنواع القسم الظاهر في القرآن الكريم ، وهو نوعان :
النوع الأول : إقسامه تعالى بذاته وصفاته .
النوع الثاني : إقسامه تعالى بمخلوقاته .
وفي المبحث الخامس : وضحت أغراض القسم القرآني ، وأهدافه .
وفي المبحث السادس : بينت الأمور المقسم عليها .
وجعلت المبحث السابع : لبيان بلاغة القسم القرآني .
وفي الخاتمة : استعرضت أهم النتائج .
والله أسأل أن اكون قد وفقت في العرض لهذا الموضوع ، والحمد لله في الأولى والآخرة .



المبحث الأول :
الأصل الاشتقاقي لألفاظ القسم
مادة قسم ( ق، س ، م )[6] : لها معنيان رئيسان هما : -
أ - التجزئة والتفريق : وهو – القسم – بسكون السين ، وجمعه أقسام ، وترجع إليه مشتقات عديدة منها : قسم الشيء يقسه قسما ً : بمعنى : جزأه وفرقه ، ويكون بمعنى : قدر ونظر ، كقولك : هو يقسم أمره ، أي : يقدره ، ويدبره ، وينظر كيف يعمل فيه ، قال لبيد :
فقولا له إن كان يقسم أمره ألما يعظك الدهر أمك هابل [7]
وقسمه – بالتضعيف - : للتكثير ، أي جزأه ، ومنه قوله تعالى : - ( فالمقسمات أمرا ) [8]
وقاسم فلان فلانا أي : أخذ كل منهما قسمه . واقتسم القوم الشيء بينهم ، أي : أخذ كل واحد منهم نصيبه منه . إلى غير ذلك من المشتقات التي ذكرتها كتب اللغة .
ب : - الحلف واليمين :
وهو القسم – بفتح القاف والسين – وجمعه أقسام ، مثل : سبب وأسباب ، ويستعمل منه الأفعال التالية
1 – أقسم بالله إقساما أي : حلف بالله حلفا ..
2- قاسمه : أقسم له ، أو شاركه في القسم . ومنه قوله تعالى : - ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) [9]
3- اقتسم : - يقال : اقتسموا : تحالفوا ، ومنه قوله تعالى : (كما أنزلنا على المقتسمين ) [10]، وهم الذين تقاسموا وتحالفوا على الكيد للرسول – صلى الله عليه وسلم - ، وقيل : هم الذين جعلوا القرآن عضين ، آمنوا ببعضه ، وكفروا ببعضه الآخر . [11]
4 – تقاسم : يقال : تقاسم القوم ، أي : تحالفوا ، ومنه قوله تعالى – (قالوا تقاسموا بالله) [12] ، فهي بمعنى التحالف ، أو طلب بعضهم القسم من بعض .
5- استقسمه بالله : طلب منه أن يقسم به .
6- القسامة : - ومن معانيها : اليمين ، والجماعة يقسمون على حقهم ويأخذونه ، يقول الراغب :
(إن القسم بمعنى اليمين ، أصله من القسامة ، وهي أيمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم ، ومعهم دليل دون البينة ، فيحلفون خمسين يمينا تقسم عليهم ، ثم صار اسمل لكل حلف ، فكأنه ( أي :القسم ) كان في الأصل تقسيم أيمان ، ثم صار يستعمل في نفس الحلف والأيمان [13]
والعلاقة بين هذين المعنيين الرئيسين للقسم وثيقة الصلة ، قوية الرباط ، فما جعل القسم إلا للتفريق بين الحق والباطل ، وما التجئ إليه إلا لتحديد الأنصباء ، وتوزيع الحظوظ ، والفصل بين الخصومات .[14]
2 : - مادة ( ي، م ، ن ) [15] :
بزيادة ياء قبل الحرف الأخير : يمين على وزن فعيل ، لها عدة معان ، منها :يمين الإنسان ، والقوة ، والقدرة ، والمنزلة ، والدين . ومن معانيها : الحلف والقسم ، وهو المعنى الذي يهمنا بالدرجة الأولى .
واليمين مأخوذ من أن المتحالفين ، والمتعاهدين ، قد يضع كل منهما يمينه في يمين الآخر ، فصار الحلف يسمى يمينا ، قال تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم ..) [16]
قال في مختار الصحاح : ( واليمين : القسم ، والجمع : أيمن ، وأيمان ، وقيل : إنما سميت بذلك ، لأنهم كانوا إذا تحالفوا ، ضرب كل امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه ) [17]
وقال أبو اسحق ابراهيم بن عبد الله النجيرمي : - ( وأصل اليمين أنهم كانوا إذا تحالفوا وتعاقدوا تصافقوا بأيمانهم ، ولذلك قيل : أعطاه صفقة يمينه على هذا الأمر ، ثم سموا الحلف يمينا على هذا المعنى . وأنثوا اليمين على تأنيث اليد ، فقالوا : حلف يمينا برة ويمينا فاجرة ) [18]
3 :- مادة ( ح ، ل ، ف ) [19] : -
لا تخرج هذه المادة عن معنيين رئيسين هما : القسم ، والعهد . والحَلف والحِلف – بفتح الحاء وكسرها – لغتان في القسم . فالحِلف - بكسر الحاء – : العهد يكون بين القوم ، وقد حالفه : أي عاهده . وتحالف القوم : تعاهدوا،ويكون بمعنى آخى ، وعليه ما جاء حديث أنس : ( حالف رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار في دارنا )[20] أي : آخى بينهم .
والحلف – بفتح الحاء - : اليمين ، قال تعالى : ( ولا تطع كل حلاف مهين ) [21] ، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر ، وليأت الذي هو خير ..) [22]
وأصلها : ( أنهم كانوا إذا تحالفوا وتعاقدوا تصافقوا بأيمانهم ، ولذلك قيل : أعطاه صفقة يمينه على هذا الأمر ، ثم سموا الحلف يمينا على هذا المعنى ) [23] .
( ومشتقات هذه المادة لا تكاد تخرج عن معنى القسم واليمين ، وإن خرجت فإلى ما يترتب عليه من
محالفة ومعاهدة والتزام ، فهي أصل في القسم ، تفرعت عنه معان متصلة به ) . [24]
ومع أن كتب المعاجم ترى أن ( الحلف والقسم ) لفظان مترادفان يؤديان معنى واحدا من غير فرق أو تمييز بينهما ، وتفسر أحدهما بالآخر ، ولكن حين نستقرئ استعمال الكلمتين ، وأصل اشتقاقهما لنتعرف على الفرق بينهما ، نجد أن العرب يقولون : ( حلفة فاجر ، وأحلوفة كاذبة ) [25] ، ولم يرد مثل هذا مع القسم .
فالحلف يدور حول الاحتمال والشك والتردد ، وبهذا يكون الحالف غالبا معرضا للحنث كثيرا ، لأنه حلف على الظن ، وليس عن يقين .
وحين نستقرئ البيان القرآني في استعماله لمادة ( ح. ل. ف ) نجدها قد دارت في بيانه الكريم في ثلاثة عشر موضعا [26]، كلها جاءت بغير استثناء في الحنث باليمين ، وفي آيات مدنية ، وخصوصا في سورة التوبة ، عدا آية واحدة مكية ، هي قوله تعالى في سورة القلم : ( ولا تطع كل حلاف مهين )[27] ، ثم إن إسناد الفعل غالبا جاء في المنافقين . وحين أسند الفعل إلى المؤمنين في قوله تعالى : - ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) [28] كان ذلك لبيان كفارة الحلف عند الحنث . وباستعراض آيات الحلف المسندة للمنافقين ، والتي كشفت حقيقتهم وفضحت زيفهم ، نرى أن اليمين فيها كانت معقودة أصلا وابتداء على خلاف الحقيقة والواقع في أغلب الآيات ، وهم يعلمون ذلك ، وأن الأمر كذب .
قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون ) [29]. فالحلف يدور في العربية على احتمال الحنث غالبا ، لأنه مبني على الظن ، وفي البيان القرآني يتضح بجلاء أن اليمين في الحلف معقودة غالبا على الحنث أصلا ، حيث يحلف المنافقون على خلاف الحقيقة ، التماسا للعذر ، دون مبرة في الحلف ، أو صدق في اليمين .
أما القسم : فتفسره المعاجم بالحلف دون أن تذكر فرقا بينهما ، إلا أننا نجد صاحب القاموس يقول :
( والقسم : العطاء والرأي .. وأن يقع في قلبك الشيء فتظنه ، ثم يقوى ذلك الظن فيصير حقيقة ) [30]. فكأن القسم في بعض اشتقاقاته اللغوية أقوى في الظن ، وأقرب إلى الحق ، وأبعد عن الاحتمال والشك ، كما هي الحال في الحلف . فالقسم إذا يكون على الشيئ الواضح ، والحق البين ، والأيمان الصادقة ، ولهذا جاء القسم في القرآن بالأيمان الصادقة ، وجاء موصوفا بالعظمة في قوله تعالى : - ( وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) [31] .
وباستقراء البيان القرآني في استعمال القسم ، يدلنا على أنه يعتبر بحال المقسم عند عقد اليمين ، فيخص القسم بمن كان صادقا عند عقده لليمين ، حتى ولو خالف ذلك الحق ، وجانب الصدق في واقع الأمر ، وإنما كان ذلك هو اعتقاده الجازم ، ونظرته المخلصة في نظر نفسه ، أو على الأقل إيهام المقسم له بذلك . ومن هنا يمكن أن نفهم إشارة القرآن الكريم المتكررة إلى الجهد المبذول عند عقد اليمين من قبل بعض الكفار ، والمشركين ، مما يوحي بصدقهم وإخلاصهم في اعتقادهم ، وإن لم يكن هو الحق . فقد ذكر الله سبحانه وتعالى إقسامهم بالله جهد أيمانهم في خمسة مواضع ، [32] ليوحي اجتهادهم غاية الجهد في هذه الأيمان بصدقهم فيها ، وإن تبين فيما بعد أن الأمر بخلاف ذلك . ومن هنا نرى أن القسم يرد عاما ، من الله سبحانه ، وعلى لسان المسلمين ، والمنافقين ، والكفار ، ويكون في آيات مكية ومدنية ، وغالبا ما يكون صادقا بارا ، وإن لم يكن كذلك في واقع الأمر ، فعلى الأقل في نظر المقسم ، وحسب اعتقاده عند عقد اليمين . تقول بنت الشاطئ في تفسير سورة البلد : [ فقد يبدو من السهل أن نفسر ( أقسم ) بلفظ ( أحلف ) ، وليس في استعمال العرب لهما ما يمنع من تفسير أحدهما بالآخر ، لكن استقراء الكلمتين في القرآن يمنع هذا الترادف …… إلى أن تقول : وأمام هذا الاستعمال القرآني ، لا يهون أن نفسر القسم بالحلف ، وصنيع القرآن فيهما يلفت إلى فرق دقيق بين اللفظين المقول بترادفهما ، فرق يؤيده فقه العربية ، فاختلاف مادتي اللفظين يؤذن باختلاف مدلول كل منهما ، وبين حلف وحنث من القرب ، ما ليس بين حلف وقسم ، مما يبعد أن يكونا سواء ) ][33] . وهذا فرق كبير واضح ، يكفي لنفي ترادف الكلمتين [34] .













المبحث الثاني :
أركان القسم :
للقسم أركان أربعة :-
الركن الأول : - المقْسِم : وهو إما الله ، وإما العباد .
أما القسم من الله : - فقد قيل : ما معنى القسم منه تعالى ؟ فإنه إن كان لأجل المؤمن ، فالمؤمن مصدق بمجرد الإخبار من غير قسم . وإن كان لأجل الكافر ، فلا يفيده . [35]
والجواب : إن القرآن نزل بلغة العرب ، ومن عادتها القسم إن أرادت أن تؤكد أمراً ،
كما أن الحكم يفصل باثنين : إما بالشهادة ، وإما بالقسم ، فإذا اجتمعت البينة وهي : الشهادة ، مع اليمين ، على دعوى ، اكتسبت مزيد ثبوت وتقرير ، فذكر الله تعالى في كتابه النوعين ، حتى لا يبقى لهم حجة ، فقال : (شهد الله أنه لا إله إلا هو .. الآية ) [36]
وقال : (ويستنبئونك أحق هو ، قل إي وربي إنه لحق ..) [37]
ففي الآية الأولى : فصل الحكم وقرره بالشهادة . وفي الآية الثانية : قرره وأكده بالقسم .[38]
وعن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى : (وفي السماء رزقكم وما توعدون . فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) [39] صرخ وقال : - من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه لليمين . [40] فالقسم ضرب من البيان ألفه العرب ، ليوثقوا به أنباءهم ، وتبين أنه كثيرا ما يجيئ للإستشهاد والإستدلال على صدق المقال ، فهو إذن نوع من الدليل الواقعي المحسوس ، الذي يستميل المشاعر والوجدان ، ويثير الإنتباه والتفكير .
الركن الثاني : المقْسَم به : - ولمجيئه في القرآن الكريم أغراض :
الأول : - أنه قد يكون شيئاً علوياً بعيداً عنا يثير الرهبة والعظمة والجلال ، ويدعونا ذكره والقسم به ، إلى أن يثيرلدينا الفضول العلمي ، وحب الاستطلاع ، فأخذ في توجيه أنظارنا إليه بالبحث والدرس والتحليل ، ومحاولة تسخيره لمنافعنا ، وذلك كالسماء، وما فيها من شمس ، وقمر ، ونجوم ، ومظاهر كونية كثيرة ، فالقسم بهذه الكائنات العلوية ، يدفع الناس إلى البحث والتنقيب ، ونصوص القرآن الدالة على النظر والبحث كثيرة ، منها قوله تعالى : - (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ) [41]،
وقوله تعالى : (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ، وما خلق الله من شيء )[42]. وقد أثبت الواقع أنه كلما تعمق الباحثون في دراسة هذه الظواهر التي أقسم الله بها ، وجدوا فيها من العظمة والجلال ، والقدرة الإلهية ، ما تخر له النفوس ساجدة خاشعة ، قائلة : (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) [43] .
الثاني : - إن المقسم به قد يكون شيئا أرضيا مما يحيط بالإنسان ويتعايش به ومعه ، ويقسم الله تعالى به لما فيه من منافع وفوائد ، كالتين ، والزيتون ، والبحر المسجور ، والأرض وما طحاها
الثالث : - أن يكون المقسم به شيئا ذاتيا للإنسان ، وذلك كالنفس البشرية التي أقسم الله تعالى بها في قوله : (ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها ) [44]، وقوله تعالى : (ولا أقسم بالنفس اللوامة )[45] . ولا شك أن القسم بهذه الأشياء يفتح للباحثين مجالا كبيرا في المباحث الفكرية ، والنفسية ، والاجتماعية [46]
الركن الثالث : جواب القسم أو المقسم عليه : -
الغالب في المقسم عليه أن يكون في الكلام ، لأنه المقصود بالتحقيق ، وقد يحذف كما يحذف جواب (لو) ، إما : للعلم به ، أو لتذهب النفس فيه كل مذهب . كما في مثل قوله تعالى : (كلا لو تعلمون علم اليقين ) [47] ، فجواب لو محذوف ، تقديره : لو تعلمون علم اليقين عاقبة التفاخر ما اشتغلتم به . وهذه عادة العرب في كلامهم إذا رأوا أموراً عجيبةً ، وأرادوا أن يخبروا بها الغائب عنها .
وأكثر ما يحذف جواب القسم : إذا كان في نفس المقسم به دلالة على المقسم عليه ، فإن المقصود يحصل بذكره (أي المقسم به)، فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز ، كما في قوله تعالى : (ص . والقرآن ذي الذكر) [48]، فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ، ووصفه بأنه ذو الشرف ، والقدر ، ما يدل على المقسم عليه ، وهو كونه حقا من عند الله غير مفترى ، وتقدير الجواب : إن الفرقان لحق . وهذا يطرد في كل ما شابه ذلك ، كقوله تعالى : (ق والقرآن المجيد) [49] ،
وتقدير الجواب : ما آمن كفار مكة برسول الله- صلى الله عليه وسلم- .
الركن الرابع : أدوات القسم :
للقسم أدوات منها : (الباء ، والواو ، والتاء ، واللام ، ومن ) ، قال سيبويه :( وللقسم والمقسم به أدوات في حروف الجر ، وأكثرها الواو ، ثم الباء ، يدخلان على كل محلوف به ، ..الخ ) . [50]
والذي يعنينا من هذه الأدوات هي الحروف الثلاثة الأولى ، إذ لم ترد ( اللام ) ، أو ( من ) ، للقسم في القرآن الكريم .[51]
أولها : الباء : وهي الأصل في أدوات القسم ، وهي حرف جر يأتي لأربعة عشر معنى ، ذكر معانيها ابن هشام ، وقال : ( الثاني عشر : القسم ، وهو - أي حرف الباء - أصل أحرفه ) [52]
ومما يؤيد أن الباء أصل حروف القسم :
1- جواز إثبات فعل القسم وفاعله معها ، كقوله تعالى : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت .. الآية ) [53] أو حذفهما ، كما في قوله تعالى : ( قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) [54].
2- ودخولها على المظهر والمضمر ، ولا يدخل من حروف القسم غيرها على المضمر ، ومن شواهد دخولها على الاسم الظاهر ، قوله تعالى : ( قالوا تقاسموا بالله لتبيتنه وأهله .. الآية ) [55]. أما دخولها على المضمر فلا دليل له في القرآن الكريم ، وهو كقولك : ( أقسم به إني لصادق ) .
3- تستعمل في القسم الاستعطافي : كقول عبد الله بي قيس الرقيات :
رقي بعمركم لا تهجرينا ومنينا المنى ثم امطلينا .[56]
فاستعمل الباء في الاستعطاف في ( بعمركم لا تهجرينا ) .
ثانيها : الواو : وتأتي لعدة معان ، قال ابن هشام : ( انتهى مجموع ما ذكر من أقسامها إلى خمسة عشر ، إلى أن يقول : السادس والسابع : واوان ينجر ما بعدهما ، إحداهما : واو القسم ، ولا تدخل إلا على مظهر ، ولا تتعلق إلا بمحذوف ، نحو : ( والقرآن الحكيم ) [57]، فإن تلتها واو أخرى ، نحو : ( والتين والزيتون ) [58] فالتالية هي واوالعطف ..) [59]
ثالثها : التاء ، قال ابن هشام : ( التاء المفردة : محركة في أوائل الأسماء ، ومحركة في أواخرها ، ومحركة في أواخر الأفعال ، ومسكنة في أواخرها . فالمحركة في أوائل الأسماء : حرف جر معناه القسم … ) [60]
والتاء تختص بلفظ الجلالة ، وذلك لكثرة الحلف به ، مثل قوله تعالى : ( تالله لآكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين )[61] قال الزمخشري : ( التاء فيها زيادة معنى ، وهو : التعجب ، كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده ، وتأتيه ، لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه لصعوبته ، وتعذره ) [62]
المبحث الثالث
تحقيق القول في المقسم به المبدوء بأداة النفي :
ورد المقسم به مسبوقا بأداة النفي (لا) في ثمانية مواضع من القرآن الكريم ، وهي : -
أ - مقسم به تقدمته أداة النفي مقترنة بالفاء ، وذلك في ستة مواضع من القرآن الكريم ، وكلها في ثنايا السور وهي :
1 - قوله تعالى : - (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)[63].
2 – قوله تعالى : - (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون) [64].
3 – قوله تعالى : - (فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون) [65].
4-قوله تعالى : - (فلا أقسم بمواقع النجوم) [66] .
5- قوله تعالى : - (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس)[67] .
6- قوله تعالى : - (فلا أقسم بالشفق) [68] .
ب – مقسم به مسبوق بأداة النفي غير مقترنة بالفاء ، وذلك في موضعين : -
1- قوله تعالى : - ( لا أقسم بيوم القيامة ، ولا أقسم بالنفس اللوامة ) [69].
2 – قوله تعالى : - ( لا أقسم بهذا البلد )[70] .
وقد تناول المفسرون هذا النوع من المقسم به بالحديث ، ويمكن أن نجمل حديثهم عنه فيما يلي :
الرأي الأول : وحاصله :
ا : – أن (لا) لنفي القسم .
فكأن الله تعالى يريد أن يقول : لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب ، فهو أعظم وأجل من أن يقسم عليه بهذه الأشياء . ويكون الغرض من هذا الكلام تعظيم المقسم عليه ، وتفخيم شأنه ، أو : يكون الغرض إثبات أن المقسم عليه ، أظهر وأجل من أن يقسم عليه بمثل هذه الأشياء ، فإن إثباته أظهر وأجل وأقوى من أن يحاول إثباته بمثل هذا القسم ، وبه قال الفخر الرازي . [71]
ب – أن (لا) هذه إذا وقعت خلال الكلام ، كقوله تعالى : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) [72] ، فهي صلة تزاد لتوكيد القسم ، مثلها في قوله تعالى : (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله) [73] لتأكيد وجوب العلم . وإذا وقعت ابتداء كما في سورة القيامة ، وسورة البلد ، فهي للنفي ، لأن الصلة لا تكون في أول الكلام . ووجهه : - أن إنشاء القسم يتضمن الإخبار عن تعظيم المقسم به ، فهو نفي لذلك الخبر الضمني على سبيل الكناية . والمراد : أنه لا يعظم بالقسم ، لأنه في نفسه عظيم ، أقسم به أولا ، ويترقى من هذا التعظيم إلى تأكيد المقسم عليه ، إذ المبالغة في تعظيم المقسم به ، تتضمن المبالغة في تعظيم المقسم عليه .. وبه قال الزمخشري . [74]
جـ – أن (لا) لنفي ما ينبئ عنه القسم من إعظام المقسم به وتفخيمه . فإن معنى لا أقسم بكذا : لا أعظمه بإقسامي حق إعظامه ، فإنه حقيق بأكثر من ذلك . وهذا الرأي يدور على أن ( لا ) للنفي ، وهذا الأسلوب يتضمن التعظيم . لكن : هل التعظيم منصب على المقسم به ، كما ذهب إليه أبو السعود [75]، على معنى : لا أعظمه بإقسامي به حق إعظامه ، فإنه حقيق بأكثر من ذلك . أم أن التعظيم منصب على المقسم عليه ، على معنى : لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات المطلوب ، فإنه أعظم من أن يقسم عليه بهذه الأشياء ، وهذا ما ذهب إليه الفخر الرازي . [76] أم هو منصب على المقسم به ، والمقسم عليه ، كما ذهب إلى ذلك الزمخشري ..؟ إذ المبالغة في تعظيم المقسم به تتضمن المبالغة في تعظيم المقسم عليه [77] .
ويرد هذا الرأي قوله تعالى في سورة الواقعة : - (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) [78] . فهذا دليل على أن هنا قسما مثبتا ، وأن الكلام إثبات قسم ، لا نفي قسم ، وليس بعد بيان الله بيان . ويقاس على هذا بقية المواضع الثمانية ، إذ هي مثلها في اللفظ ، فتكون مثلها في الحكم .

الرأي الثاني :
وحاصله : - أن صيغة (لا أقسم) عبارة من عبارات القسم ، واختلفوا في توجيهها على أقوال : -
أولا : - أن لا صلة ، أي : زائدة ، والمعنى : أقسم . قال بزيادتها : (ابن خالويه) [79] ،
وأجاز ذلك أبو علي الفارسي في قوله (وإن جعلت تأكيدا لم يمتنع) . [80]
وقال بزيادتها كذلك الزمخشري ، في تفسيره للآية ( 75 ) من سورة الواقعة قال : [ فلا أقسم ، معناه : فأقسم، ولا مزيدة مؤكدة ، مثلها في قوله تعالى (لئلا يعلم أهل الكتاب) [81] ] [82] ، وقال في موضع آخر من الكشاف : [ إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم ، وأشعارهم قال امرؤ القيس:
لا وأبيك ابنة العامري لا يدعي القوم أني أفر [83]
وفائدتها توكيد القسم . ثم قال : ( واعترضوا عليه بانها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوله ، وأجابوا بأن القرآن في حكم سورة واحدة ، متصل بعضه ببعض ، والاعتراض صحيح ، لأنها لم تقع مزيده إلا في وسط الكلام ، ولكن الجواب غير سديد ، ألا ترى إلى امرئ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته ] [84]
وقيل : إنها زيدت توطئة وتمهيدا لنفي الجواب ، كما في قوله تعالى : (لا أقسم بيوم القيامة) [85] فالمعنى : لا ، أقسم بيوم القيامة ، لا يتركون سدى [86].
وما قاله الزمخشري وغيره مردود بأمور منها :
1 – لا : ليست زائدة لتأكيد القسم ، لأن ما يراد توكيده ينبغي أن يكون متأخرا عما هو مؤكد له ، فليس من المقبول أن نجعل (لا) مزيدة لتأكيد معنى القسم الوارد بعدها ، وقد منع (ثعلب) وغيره مجيء لا زائدة للتأكيد في إبتداء القول، واستقبحه بعض أهل اللغة ، وأنكروه ، لأن حكم التأكيد ينبغي أن يكون بعد المؤكد [87] . وَ ( لأن زيادة الحرف يدل على إطراحه ، وكونه في أول الكلام يدل على قوة العناية به، لذا لم يجز أن نجعل -لا- في هذه الآية زيادة ) . [88]
2 – إن قولهم إن -لا- زيدت توطئة وتمهيدا لنفي الجواب ، مردود بقوله تعالى : - ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) [89] فإن جوابه هو قوله تعالى : (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) [90] . وهو مثبت غير منفي . ومثله قوله تعالى : -(لا أقسم بهذا البلد) [91] فإن جوابه مثبت، وهو قوله تعالى : - (لقد خلقنا الإنسان في كبد) [92] .
ثانيا : - إن -لا- نافية لكلام سابق ثم إستأنف القسم :
وتحقيقه في قوله تعالى : ( لا أقسم بيوم القيامة ) [93]. أن – لا – نافية لكلام المشركين المنكرين للبعث ، أي : ليس الأمر كما زعموا ، ثم ابتدأ : أقسم بيوم القيامة .
قال القرطبي : ( وقال بعضهم : ( لا ) : رد لكلامهم حيث أنكروا البعث ، فقال : ليس الأمر كما زعمتم . قلت : وهذا قول الفراء ، قال الفراء : وكثير من النحويين يقولون ( لا ) صلة ، ولا يجوز أن يبدأ بجحد ثم يجعل صلة ، لأن هذا لو كان كذلك لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه ، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث ، والجنة ، والنار ، فجاء الإقسام بالرد عليهم ، وذلك كقولهم : لا والله لا أفعل ، ف ( لا ) رد لكلام قد مضى ، وكقولك :لا والله إن القيامة لحق ، كأنك أكذبت قوما أنكروه ) .[94] وهو رأي أبي علي الفارسي كذلك [95] .
ونجيب على هذا القول ، بأنه ضعيف من وجوه : -
1- إن هذا الكلام المحذوف الذي قدروه لا دليل عليه .
2- قولهم هذا يتنافى مع ما قرره النحويون من أن اسم -لا - وخبرها لا يجوز حذفهما إلا اذا كانا في جواب سؤال ، كما تقول : هل من رجل في الدار ، فيكون الجواب : لا ، أي : لا رجل في الدار [96] .
3- قرر علماء المعاني في مثل هذا الموضع تعيين العطف بالواو حتى لا يحصل اللبس ، كما يقال : هل شفي فلان من مرضه ؟ فيقال : لا ، وشفاه الله . ولا يصح أن نقول : لا شفاه الله حتى لا يتوهم أنه دعاء عليه لا له . فلو كان الأمر كما يقولون ، لقال سبحانه : لا وأقسم بيوم القيامة [97] .
4- قال تعالى :- ( لا أقسم بيوم القيامة . ولا أقسم بالنفس اللوامة ) [98] فلو كان الأمر كما يقولون من أن ( لا ) جاءت لنفي كلام سابق ، لم يكن ثمة داع لإعادة حرف النفي مرة أخرى ، في قوله تعالى : - ( ولا أقسم بالنفس اللوامة ) [99].
ثالثا : - إن أصل (لا أقسم) : لأقسم : أشبعت فتحة اللام فظهرت الألف .
أجاز الفراء [100] دخول لام الإبتداء على فعل القسم المضارع ، مستدلا بقراءة الحسن [101] (لأقسم بيوم القيامة ) [102] ، وتابعه ابن جني ، ولكنه قدر حذف مبتدأ بعدها ، قال : - ( أي لأنا أقسم بيوم القيامة ، وحذف المبتدأ للعلم به ) [103] ، وخرجها الزمخشري على معنى (فلأنا أقسم) ، اللام لام ابتداء ، دخلت على جملة من مبتدأ وخبر ، وهي : أنا أقسم .
قال :- ( ولا يصح أن تكون اللام لام القسم لأمرين :
أحدهما : - إن حقها أن تقرن بها النون المؤكدة ، والإخلال به ضعيف قبيح .
والثاني : - إن لأفعلن في جواب القسم للاستقبال . وفعل القسم يجب أن يكون للحال ). [104]
وقال العكبري :- ( فيها وجهان : -
أحدهما : - هي لام التوكيد دخلت على الفعل المضارع كقوله تعالى : (وإن ربك ليحكم بينهم ) [105] ، وليست لام القسم .
والثاني : - هي لام القسم، ولم تصحبها النون اعتمادا على المعنى ، ولأن خبر الله صدق ، فجاز أن يأتي من غير توكيد ) [106]. ونقول: صحيح أن خبر الله صدق ، ولكن لم نجد آية واحدة ذكرت فيها لام القسم متصلة بالفعل المضارع ، دون أن تصحبها النون ، وإذا أخذنا بالقول أن خبر الله صدق – وهو كذلك - ، واعتمدنا عليه ، فلا داعي للقسم أصلا ، لكنه أقسم لحكمة يعلمها .
ومن خلال العرض الموجز السابق نصل إلى :
1- ليست اللام لام ابتداء ، أشبعت فتحتها فتولدت عنها ألف ، وليست زائدة كذلك .
2- إن القسم المسبوق بالنفي ، هو عبارة من عبارات القسم ، وليست ( لا ) أداة نفي نافية للقسم كما ادعى البعض ، إذ أنه مردود بتعيين المقسم به، كما في قوله تعالى : ( فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ) [107] ، وقوله تعالى : (فلا أقسم بمواقع النجوم و إنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم ) [108] فقد صرح بالقسم هنا ، وليس بعد بيان الله بيان . كما أن تأكيد الأمر عن طريق النفي مألوف في لغة العرب ، فإنك إذا قلت لصاحبك : (لاأوصيك بفلان) ، فإنما تريد تأكيد التوصية به ، وتبالغ في الاهتمام به . فتبلغ بالنفي ما لا تبلغه بالأسلوب الصريح المباشر ، وكذلك نفي القسم ، استعمل في القسم من طريق آكد وأبلغ. [109]
المبحث الرابع
أنواع القسم الظاهر في القرآن الكريم :
المطلب الأول : - إقسامه تعالى بذاته وصفاته . وقد جاء في خمسة مواطن من القرآن : -
الموطن الأول : قوله تعالى في سياق الكلام على المنافقين : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما . ) [110]
الموطن الثاني : قوله تعالى : ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون . ) [111]
الموطن الثالث : قوله تعالى : ( فوربك لنحشرنهم والشياطين . ) [112]
الموطن الرابع : قوله تعالى :( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون .) [113]
الموطن الخامس : قوله تعالى : ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين . ) [114] .
وأما قوله تعالى في سورة يونس :( ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين ) [115] ، وقوله تعالى في سورة التغابن : - ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ) [116] فليس من باب إقسامه تعالى بذاته ، وإنما هو من باب تعليمه النبي – صلى الله عليه وسلم – كيفية الجواب ، فهو بالنهاية من أقسام النبي – صلى الله عليه وسلم - بربه ، على الطريقة التي دله الله عليها ، وأرشده إليها
المطلب الثاني : - وهو إقسامه تعالى بمخلوقاته ، وهو كثير في القرآن .
القسم بالمخلوقات في القرآن الكريم :
إذا إستقصينا القسم في القرآن وجدناه تعالى يقسم على أصول الإيمان التي يجب على الخلق معرفتها ، فتارة يقسم على أن الله واحد ، وتارة يقسم على البعث ، وتارة يقسم على حال الإنسان .
يقسم على أن الله واحد ، كقوله تعالى : (والصافات صفا . فالزاجرات زجرا . فالتاليات ذكرا . إن إلهكم لواحد)[117] .
وعلى أن القرآن حق ، كقوله تعالى : (فلا أقسم بمواقع النجوم . وإنه لقسم لو تعلمون عظيم . إنه لقرآن كريم) [118] .
وعلى أن الرسول حق ، كقوله تعالى : - (يس .والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين ) [119] . وعلى الجزاء ، كقوله تعالى : ( والطور . وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت المعمور. والسقف المرفوع .والبحر المسجور . إن عذاب ربك لواقع . ما له من دافع )[120] .
وعلى حال الإنسان ، كقوله تعالى : (والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى . وما خلق الذكر والأنثى . إن سعيكم لشتى) [121] .
وفي هذه الآيات وغيرها ترى المقسم به من مخلوقات الله تعالى ، فبإقسامه أولا ، وكونه يقسم بالمخلوقات ثانيا، أثار الشبهات التالية [122] : -
1 - الجري على عادة الحلف عندنا غير محمود شرعا ،فالذي يلجأ للقسم متهم في صدقه ، مفتقر إلى تأييد دعواه ، فلماذا أكثر الله من الأقسام في القرآن . ؟
2- نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عن الحلف بغير الله [123]، ثم إن الحلف بغير الله يقتضي تعظيمه ، والعظمة لله وحده ، واجتناب الحلف مطلوب شرعا ، فكيف يحلف الله بمخلوقاته ، كالتين والزيتون ؟
3 - القسم القرآني كما قلنا وقع على أمور مهمة جدا ، هي أصول الإيمان ، فما المقصود به ؟ إن كان المقصود تحقيق المحلوف عليه وإثباته في ذهن المؤمن ، فالمؤمن مصدق لا يحتاج إلى يمين ، وإن كان المقصود به تحقيقه وإثباته في ذهن الكافر ، فالكافر لا يصدق باليمين [124]، ولا يقنعه إلا الدليل الساطع ، والبرهان القاطع . تلك الشبهات تخطر كلها أو بعضها في بال كثير من الناس .
فإذا سأل أحدهم : كيف يقسم الله بمخلوقاته ؟ كان الجواب : إن الله أراد تشريف تلك المخلوقات ، والتنويه بها وإعلاء شأنها ، والرد على من ذمها ، وهذا ظاهر الصحة في قوله تعالى : (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) [125]، إذا قلنا إنه خطاب من الله لنبيه –صلى الله عليه وسلم- ، فقد كان النبي واحدا من العرب ، ظهر فيهم وعليهم ، فلقي منهم إيذاءً واستهزاء ، ولقي منه عنادا وإصراراً ، وعتواً واستكبارا ، فمن المعقول أن يشرفه الله بأن يقسم بحياته ، أما أن يشرف الخيل العاديات ضبحا بالقسم ، فبعيد ، وأبعد منه أن يشرف بالقسم كلا من الشمس ، والقمر ، والنجوم ، وقد بلغت عندهم من الشرف غايتة ، حتى عبدها بعضهم ، وفي تشريفه إياها بالقسم بها ، إغراء لهم بالتمادي في عبادتها ، وهو يقول – سبحانه - (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر . )[126] .
أساس تلك الشبهات : -
لعل مما سبب في تسرب هذه الشبهات إلى الأذهان ، ظنها أن الغرض من القسم تقديس المقسم به ، أو تشريفه وتعظيمه ، وساعد على ذلك ، أن معظم ما أقسم الله به من مخلوقاته شريف في ذاته ، كالقرآن ، والشمس ، والقمر ، ولكن القسم في اللغة قد يكون بالخسيس كذلك ، ليؤدي غرضاً مقصوداً ، وسنرى في الأسطر القادمة ، أن في القسم بالمخلوقات ، نوع يباين القسم التقديسي ، ويباين القسم التشريفي ، وجيئ به ليؤدي غرضاً جليلا لا يؤديه غيره .
ولما كان القرآن قد نزل بلغة العرب ، وعلى طريقتهم ، وأسلوبهم ، كان علينا أن نعرف الغرض الأصلي من القسم عندهم ، وأن نتبين خصائصه وأهدافه ، لتتداعى تلك الشبهات .

المبحث الخامس
أغراض القسم القرآني ، وأهدافه :
يقول ابن يعيش : - (الغرض من القسم : توكيد ما يقسم عليه من نفي وإثبات) [127]
وقال ابن القيم : (والمقسم عليه : يراد بالقسم توكيده ، وتحقيقه) [128]،
والقرآن نزل بلغة العرب ، ومن عاداتها القسم إذا أرادت أن تؤكد أمرا ، وقلما نجد القسم مستعملا في اللغات الأخرى وآدابها [129] .
وكثيرا ما يحتاج المتكلم إلى تأكيد خبر يسوقه ، أو توثيق وعد يصدر منه، وبخاصة في الأمور المهمة كالمحالفات ، والمعاهدات ، وكان للتأكيد عند العرب صيغ مختلفة ، وكان القسم أقواها تأكيدا وتحقيقا ، لأنه يفيد الجزم بصحته ، والقطع بصدقه ، وقد بلغ من شأن القسم عندهم ، أنهم كانوا يحترزون كل الإحتراز من الأيمان الكاذبة ، ويعتقدون أنها شؤم على صاحبها ، تخرب الديار ، وتدعها بلاقع ، لما فيها من الغدر والخيانة ، ومن أجل هذا كانت اليمين عندهم قاطعة في إثبات الحقوق .
فالغرض الأصلي من القسم تأكيد المقسم عليه ، أما تقديس المقسم به ، أو تشريفه ، فغير مقصود أصالة ، وإن أتى تبعا
والقسم أنواع :
1- نوع يلزم فيه التقديس .
2- ونوع فيه تشريف وإعزاز للمقسم به .
3 - ونوع ثالث هو المقصود بالبيان ، يكون القسم فيه بالدليل ، أو ما في حكمه، وهو القسم الاستدلالي .
القسم التقديسي : - وهو إقسام الإنسان بمعبوده ، فهو عند المسلمين : أن يقسم بالله أو بصفة من صفاته ، فيقول أحدهم : أقسم بالله ، أو بعزته ، أو بجلاله لأفعلن كذا ، وهو أقوى أنواع القسم تأكيدا للمقسم عليه ، وهو القسم الشرعي ، الذي يأثم الإنسان على نقضه بعد تأكيده .
قالت العلماء : أقسم الله تعالى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، في قوله ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم
يعمهون ) [130] لتعرف الناس عظمته عند الله تعالى ، ومكانته لديه ) [131] هذا إذا كان الله عز وجل هو المقسم ، أما العباد إذا أقسموا ، فالاسلام حرم عليهم القسم بغير الله ، أو صفة من صفاته ، وقد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يحلف بأبيه ، فقال : ( إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) [132]. وللفقهاء في ذلك آراء وأقوال ليس هذا موضعها . [133]
القسم التشريفي : - يحس الإنسان في نفسه عزة ورفعة ، فيحمله هذا إذا أراد تأكيد كلام أن يقول : ورأسي ، أو وحياتي، أو لعمري ، لأفعلن كذا ، وقد يريد إعزاز المخاطب وإكرامه فيقول : ورأسك ، أو لعمرك ، فكل هذه الأقسام تفيد التأكيد ، ومع أنها تشعر بتعظيم المقسم به ، إلا إلى أنها لا تصل إلى حد التقديس .
القسم الإستدلالي :
1- روي أن (هجرسا) حين هم بقتل خاله (جساساً) قاتل أبيه ، قال : - ( وفرسي وأذنيه ، ورمحي ونصليه ، وسيفي وغراريه ، لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه ) [134]، ثم طعنه فقضى عليه . لم يرد (هجرس) تقديس فرسه ، وأذنيه ورمحه ، ونصليه وسيفه ، وغراريه ، ولا تشريفها ، وإن كانت عظيمة عنده ، عزيزة عليه ، ولكنه أراد أن يقول :
لا عذر لي في أن أترك قاتل أبي حيا أنظر إليه ، وأنا تام الأهبة ، قادر على الضرب والطعن والثأر ، أو أراد أن يقول : أنا تام العدة ، قادر على الثأر ، ومن كان كذلك ، لا يسوغ له أن يترك قاتل أبيه حيا وهو ينظر إليه ، فأنا لا يسوغ لي أن أترك قاتل أبي حيا ، وأنا أنظر إليه ، فوضع الدليل في صورة القسم التي تفيد تأكيد المحلوف عليه ، وتلفت السامع إليه ، دون أن تعطي الخصم فرصة الإنكار ، أو الفرار .
2 – قال عروة بن مرة الهذلي : -
وقال أبو أمامة يالبكر فقلت ومرخة دعوى كبير .
يستهزئ الشاعر بأبي أمامة على استغاثته بقبيلة بكر ، فقال : هذه دعوى كبيرة ، أي : ما أصغر من يدعوهم لنصره ، فأقسم بشجرة صغيرة لا تؤوي من يلوذ بها ، وضربها مثلا لأضعف الأشياء ملاذا ، وإنما قال :(كبير) ، تهكما ، فهو يريد : فقلت ومرخة دعوى صغير ، على حد قولك للأسود : يا أبيض ، وللجبان : يا أسد . وكقوله تعالى : (ذق إنك أنت العزيز الكريم) [135] أي : الذليل اللئيم .
ويتضح هذا المعنى مما قاله أبو جندب الهذلي :
وكنت إذا جار دعا لمضوفة أشمر حتى ينصف الساق مئزري .
فلا تحسباجاري لدى ظل مرخة ولا تحسبنه فقع قاع بقرقر .
والمرخة : شجرة ضئيلة الظل ، لا تقي من استظل بها حر الشمس ، ولذا تقول العرب لمن لجأ إلى ضعيف لا يحميه : لقد استظل بمرخة . [136]
فالتقديس والتشريف لا يلازمان المقسم به ، بل قد يكون حقيرا ، أو بغيضا ثقيلا ، وقد يكون القسم للتذكير بالمقسم به ، والتنبيه إليه ، وقد يكون للإستدلال بالمقسم به على المقسم عليه ، أو لتشبيه المقسم عليه بالمقسم به .
وإلى هذا أشار الفخر الرازي - عند تفسير قوله تعالى : (والذاريات ذروا . فالحاملات وقراً .فالجاريات يسرا . فالمقسمات أمرا. إنما توعدون لصادق . وإن الدين لواقع .) [137] إلى أن الأيمان الواقعة في القرآن ، وإن وردت في صورة القسم ، فالمقصود بها الاستدلال بالمقسم به على المقسم عليه ، وهو هنا صدق الوعد ، والبعث ، والجزاء ، كأنه قيل : من قدر على هذه الأمور العجيبة المقسم بها ، يقدر على إعادة من أنشأه أولا [138].
وأكثر أقسام القرآن إستدلالية ، والأدلة على ذلك كثيرة ، منها : -
1- إن حملها على الإستدلال هو اللائق بجلال الله وبجلال كتابه ، لأنه ليس من اللائق ولا من الصواب ، أن يفهم أي قسم من أقسام الله على أنه تقديس للمقسم به ، لأن هذا التقديس يجوز على البشر ، ولا يصح مع الخالق ، إلا في حالة واحدة وهي: القسم بالله ، فإنه تقديس .
2- إن القرآن يتصرف في أساليبه ، فتارة يذكر الأمور الدالة على وجود الله ، ووحدانيته وقدرته ، في أسلوب القسم بها ، وتارة يسوقها مساق العظة والتوجية ، وهي في الحالتين بينات على ما سيقت إليه ، لمن يتفكر فيها ، ويتدبر مراميها . قال تعالى : - (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) [139]، وفي آيات أخرى استدلال بالأرض ، والسماء ، والجبال ، والبحار، وغيرها ، على طريق القسم بها ، ولا شك أن توجيه القسم بها على أنه استدلالي للاحتجاج والاستشهاد ، يناظر ذكرها للعظة ، والتوجيه ، والاعتبار
3- ليس من المعقول أن يتصور إنسان مؤمن أن الله الخالق يقدس مخلوقاته التي أقسم الله بها ، وهي كما ذكر القرآن الكريم مرارا ، مسخرة طائعة لله ، لا تملك لنفسها ولا لغيرها ، نفعا ولا ضرا .
4- على أن القرآن الكريم قد يذكر الآيات الدالة ، ثم يقسم بالله سبحانه ، كأنه قد مهد بذكرها ، لبيان المراد من الاستدلال بها ، قال تعالى : (وفي الأرض آيات للموقنين . وفي أنفسكم أفلا تبصرون . وفي السماء رزقكم وما توعدون . فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) [140] .
ومعنى هذا : أن الآيات المنبثه في الأرض وما عليها ، وفي النفوس وأحوالها وأسرارها ، وفي السماء ونجومها وسحبها ، كلها أدلة على وجود الله وقدرته ، ودلائل على صدق النبوة والبعث ، والقرآن ، ولهذا عقب بالقسم بذاته العلية ، وهذا القسم بالذات العلية مراد به التقديس ، لأنه بالله المعبود بحق ، ولأنه متضمن الاستدلال بما تدل عليه السماء والأرض من بينات على وجود الله تعالى ، وعلى صدق محمد –عليه الصلاة والسلام- .
5- ثم إذا رجعنا إلى الأقسام القرآنية وأجوبتها ، وجدنا ملاءمة بينهما ، وأدركنا أن المناسبة قوية بين القسم والمقسم به ، وهذا يعزز أنها أقسام استدلالية ، من ذلك مثلا :
قول الله تعالى : ( والضحى .والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى ) [141].
أقسم - عز وجل –بآيتين عظيمتين من آياته وهما : الضحى ، والليل إذا سجى ، يقول السيوطي مجليا التلاؤم بين هذا القسم وجوابه : - ( وتأمل مطابقة هذا القسم ، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه ، حتى قال أعداؤه : ودع محمدا ربه ، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل ، على ضوء الوحي ونوره ، بعد ظلمة احتباسه واحتجابه ) [142]
ويمكننا أن نجمل أغراض القسم في القرآن الكريم فيما يلي :
1- تأكيد الخبر وتقريره ، وتلك عادة العرب الذين كانوا يقطعون كلامهم بالقسم ، لأن (القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده) [143]. وهذا الغرض يظهر لنا إذا علمنا أن المقسم عليه كثيرا ما يكون من الأمور الخفية الغائبة ، فيقسم عليها لإثباتها ، مثل قوله تعالى : (لا أقسم بيوم القيامة . ولا أقسم بالنفس اللوامة . أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه . بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) [144] فالقسم في كلام الله ( يزيل الشكوك ، ويحبط الشبهات ، ويقيم الحجة ، ويؤكد الأخبار، ويقرر الحكم في أكمل صورة ) [145].
2- لفت الأنظار إلى الكون وما يحويه من أسرار عجيبة ، وما فيه من نظام بديع محكم [146] ، إذ كل يجري إلى أجل مسمى ، وكل في فلك يسبحون ، فجاء القسم في القرآن الكريم على هذه الأمور لأجل ذلك .
3- إثبات صدق الرسول –صلى الله عليه وسلم- إذ العرب كانت تعتقد أن الأيمان الكاذبة تدع الديار بلاقع ، وأنها تضر صاحبها . وقد كان إكثار النبي –صلى الله عليه وسلم- من الحلف بأمر الله تعالى ، مثل قوله تعالى : (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين ) [147] .وقوله تعالى (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم ) [148]. ومع قسمه –صلى الله عليه وسلم- لم يصب بسوء ما،بل ارتفع شأنه وعلا ذكره –صلى الله عليه وسلم- ، فكان دليلا على صدقه .[149].
4- إبراز المعقول في صورة المحسوس ، وذلك أن الأمر المعقول إذا صور في شيء حسي ، فإن العقل يستوعبه ، أكثر ما لو كان مجردا عن الحس ، ومثله تشبيه الوحي بالضحى في رابعة النهار ، وتشبيه الباطل بالليل ، وانتصار الحق بالنهار ، إشارة إلى أن الليل البهيم ، لابد وأن يعقبه صبح مشرق بهيج ، يبدد ظلامه وظلماته ، وكذلك ظلام الشرك والجهل ، لابد وأن يعقبه نور الحق واليقين .
5- تصحيح العقائد الباطلة ، فالقسم بالنجم إذا هوى ، وبالكواكب ، وبالشمس ، والقمر ، فيه رد على من اعتقد أنها آلهة ، وأن لها تصرفا في العالم السفلي .
6- لفت الأنظار إلى أحدات بارزة ، كان لها أكبر الأثر في تاريخ البشر ، وذلك الغرض يظهر في القسم بالأمكنة مثل (الطور) ، فالقسم به فيه إشارة إلى ماكان عند ذلك الجبل من الآيات التي ظهرت لموسى
–عليه السلام- ، والقسم بالبلد الأمين ( وهذا البلد الأمين) فيه إشارة إلى حادثة ظهور النور المحمدي من هذا البلد الأمين ، ذلك النور الذي بدد ظلمات الجهل والضلال ، ثم شع في آفاق الدنيا وملأ جنباتها ، إلى آخر ما هنالك من أهداف وأغراض .[150]
المبحث السادس
الأمور المقسم عليها في القرآن الكريم :
يمكن إجمال الأمور المقسم عليها في القرآن الكريم في أصول أربعة ، هي أسس الإيمان ، وهي :
الأول :- تثبيت أساس التوحيد .
الثاني :- تقرير أمر النبوة ، والإشادة بصدق الكتاب الحكيم .
الثالث:- إثبات الحياة الأخرى ، وما يتصل بها من حساب ، فثواب أو عقاب .
الرابع :- توضيح المهم من أحوال الإنسان وتصرفاته في هذه الحياة .
أما الأصل الأول وهو تثبيت أساس التوحيد : فيدخل تحت هذا الأصل قوله تعالى : - ( والصافات صفا . فالزاجرات زجرا . فالتاليات ذكرا . إن إلهكم لواحد ) [151].
قال الشيخ طه الراوي : ( أقسم تعالى بنفوس الغزاة التي تقاتل في سبيل الحق متحدة مع بعضها كالبنيان المرصوص ، وبهذا الإتحاد والتراص تزجر المبطلين ، وتهديهم إلى سبيل الرشد ، أقسم على أنه لا معبود بحق إلا إله واحد لا شريك له ، فهو قسم بالمتحدين على ثبوت التوحيد ، وفيه إشارة إلى أنه كما أن القوة والنجاح وليدة الإتحاد ، فكذلك وحدانية الصانع ، وانعدام الشريك هي السبب في إبداع هذا الكون ، وإحكام نظامه ، إذ لو كان مع الله آلهة أخرى لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ، وبذلك يختل نظام الكون ، وتندثر معالمه ) [152] .
وأكثر المفسرين على أن المراد بالصافات ، والزاجرات ، والتاليات ، جماعة من الملائكة ، موصوفة بهذه الصفات ، وهو الأظهر والأرجح ، إذ تؤيده الآيات القرآنية ، فقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون في قوله تعالى : ( وإنا لنحن الصافون ، وإنا لنحن المسبحون ) [153] في نفس السورة ، كما جاء وصفهم بذلك فيما رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( فضلنا على الناس بثلاث ، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة .. الحديث ) [154] ، ولأن هذا القول هو المأثور عن جماعة من الصحابة والتابعين .[155]
فيكون المعنى : وحق الملائكة الذين يصفون أنفسهم صفا لعبادة الله تعالى وطاعته ، والذين يزجرون غيرهم عن ارتكاب المعاصي ، أو يزجرون السحاب إلى الجهات التي كلفهم الله بدفعه إليها ، والذين يتلون آيات الله المنزلة على أنبيائه، تقربا إليه ، وطاعة له .. إن ربكم أيها الناس لواحد لا شريك له في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، ولا في خلقه ..
ومما جاء في الأصل الثاني : وهو تقرير أمر النبوة ، والإشادة بصدق الكتاب الحكيم :
قوله تعالى : - (يس . والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين ) [156].
أقسم جل شأنه بالقرآن الحكيم ، المعجز في نظمه ، وبديع معانيه ، المتقن في تشريعه وأحكامه ، الذي بلغ أعلى طبقات البلاغة ، على أن محمدا –صلى الله عليه وسلم- رسول من المرسلين ،والتأكيد بالقسم لشدة إنكارهم لرسالته . ومن المعلوم أن القرآن معجزة من معجزات رسولنا - صلى الله عليه وسلم - وتحدى العرب أن يأتوا بحديث مثله ، أو بعشر سور من مثله مفتريات ، أو بسورة من مثله ، فلم يستطيعوا ، فإقسام الله بالقرآن على صحة الرسالة ، إقسام بالمعجزة التي تؤيد تلك الرسالة ، والدليل الذي يثبتها ، كأنه قال : إنك من المرسلين بدليل القرآن الحكيم ، فأخرج الدليل مخرج اليمين ، لأن المتكلم - كما قا ل الفخر الرازي - : ( إذا شرع في أول كلامه يحلف ، يعلم السامع أنه يريد أن يتكلم بكلام عظيم ، فيصغي إليه ) [157] تمام الإصغاء ، ويقبل على سماعه كل الإقبال ، ثم إن في القسم بالمعجزة تذكيرا بها ، وتبكيتا للمعاند على الإغضاء عنها ، ولا أدل على هذا التوجيه من أن الله - جل شأنه - عودنا في كتابه العزيز ، تصريف الآيات والبراهين ، التي يسوقها دلائل على أصول الإيمان ، فتارة يذكرها على سبيل الآية والعبرة ، وتارة يذكرها كأنها خبر من الأخبار ، وأحيانا يذكرها بأسلوب القسم .
ومنه قوله تعالى : - ( والسماء ذات الحبك . إنكم لفي قول مختلف . ) [158] إذ نجد فيه تلاؤم جواب القسم ( إنكم لفي قول مختلف ) مع هذا الوصف الذي وصفت به السماء ( ذات الحبك ) ، فالحبك : هي الطرائق ، ولما كان هذا الوصف مشعرا بالتشعب والإختلاف ..
جاء الجواب [ ( إنكم لفي قول مختلف ) قولهم في الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، ساحر ، وشاعر ، ومجنون وفي القرآن ، شعر وسحر ، وأساطير الأولين ، وعن الضحاك : قول الكفرة : لا يكون مستويا ، إنما هو متناقض مختلف ] [159]
وقال البيضاوي : ( ولعل النكتة [160] في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها ،
بالطرائق للسموات في تباعدها ، واختلاف غاياتها ) [161] .
ومنه كذلك قوله تعالى : (والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى .علمه شديد القوى) [162].
قال المفسرون : أراد بالنجم : جنس النجوم أو أراد به الثريا على ما اشتهر عند العرب . وهوى النجم : غرب أو طلع . يقال : هوى هويا –بفتح الهاء – إذا سقط وغرب ، وهوى هويا – بضم الهاء- إذا على وصعد. وما ضل : أي ما عدل عن الطريق المستقيم ، ووما غوى : أي ما اعتقد باطلا ، والغي : خلاف الرشد ، وهو الجهل مع اعتقاد فاسد [163].
أقسم – سبحانه – بالكوكب الذي ينبعث منه النور ، وتكون به الهداية في ظلمات البر ، والبحر ، على كون محمد – صلى الله عليه وسلم- سالكا جادة الرشد والهداية ، ونفى عنه ما كانت قريش تنسبه إليه من الضلال في ترك ما كانت عليه آباؤهم ، وأئمة الكفر منهم ، وأن ما جاء به من الكتاب ليس من عنده ، وإنما هو وحي إلهي . وكانت العرب تضرب الأمثال بهداية النجم والإهتداء به ، ومما يؤثر عنهم في هذا قولهم : فلان أهدى من النجم ، ويقولون : لا يضل فلان حتى يضل النجم . وإلى هذا أشار القرآن نفسه فقال: - ( وبالنجم هم يهتدون ) [164] .
والمناسبة بين المقسم به والمقسم عليه ظاهرة جلية ، فا لمقسم به : هو النجم الذي لا يضل السبيل ، وبه يهتدي السائرون ، والمقسم عليه : كون محمد – صلى الله عليه وسلم – على محجة الهداية ، وكون ما جاء به ليس إلا وحيا تلقاه من عالم الغيب والشهادة .
وإنما قال : ما ضل صاحبكم ، ولم يقل : ما ضل محمد ، تأكيدا لإقامة الحجة عليهم لأنهم مصاحبون له طوال أربعين سنة قبل البعثة ، وهم أعلم الخلق به ، وبحاله، وبأقواله ، وبأعماله ، وأنهم في تلك المدة الطويلة لم يشاهدوا منه إلا الصدق ، والأمانة ، والعقل الراجح ، والقول السديد ، فقولهم بعد بعثته
– صلى الله عليه وسلم – إنه ساحر ، أو مجنون ، هو نوع من كذبهم البين ، وجهلهم المطبق . [165]
ومما جاء في الأصل الثالث :
في إثبات الحياة الأخرى ، وما يتصل بها من حساب ، فثواب أو عقاب ، قوله تعالى : - (والذاريات ذروا . فالحاملات وقرا . فالجاريات يسرا . فالمقسمات أمرا . إنما توعدون لصادق . وإن الدين لواقع .) [166]
أقسم الله –جل شأنه- بأمور أربعة على أن ما توعد به من البعث، وأمر الساعة حق ، وعلى أن الدين وهو الجزاء ، من ثواب أوعقاب ، واقع لا محالة ، فهو قسم على البعث ، وعلى الجزاء .
قال الفخر الرازي : -( الأمور الأربعة -التي أقسم الله بها هنا – جاز أن تكون أمورا متباينة ، وجاز أن تكون أمرا له اعتبارات أربع ، الأول : أن الذاريات : هي الرياح ، والحاملات : هي السحاب ، والجاريات : هي السفن ، والمقسمات : هي الملائكة الذين يقسمون الأرزاق . والثاني : وهو الأقرب : أن هذه صفات أربع للرياح ، فالذاريات : هي الرياح التي تنشئ السحاب ، والحاملات : هي الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار المياه .
والجاريات : هي الرياح التي تجري بالسحب بعد حملها . والمقسمات : هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار ..) [167] . وعلى هذا تكون الفاء لبيان ترتيب هذه الصفات في الوجود ، فإن الذاريات تثير البخار ، فينعقد سحابا ، فتحمله الرياح ، فتفرقه على الأقطار .
والمقسم عليه : صدق الموعود من البعث والنشور ، ووقوع الحساب، فالثواب أو العقاب . فالمناسبة بين المقسم به ، والمقسم عليه واضحة ، فالقادر على تأليف السحاب من ذرات البخار ، بواسطة الرياح الذارية ، ثم إعادته بعد ذلك إلى سيرته الأولى ، قادر على إعادة الإنسان ، وتأليف أجزائه المتفرقة .
وقد أقسم هنا بالرياح والسحاب على البعث والجزاء ، وذكرهما في سورة الروم على سبيل الآية والعبرة ، فقال تعالى : (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ، ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون ، وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ، فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير) [168].
فالقادر على إرسال الرياح ، وإثارة السحب ، وإحياء الأرض بعد موتها ، قادر على إحياء الموتى [169].


ومما جاء في الأصل الرابع ، وهو بيان أحوال الإنسان وتصرفاته المختلفة :
قوله تعالى : - (والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ) [170].
والمقسم عليه في هذه السورة يتكون من أمور ثلاثة :
أ: - دليل من أدلة القدرة الإلهية على البعث ، والجزاء ، وهو قوله تعالى : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ).
ب: - وعيد صارم شديد ، وهو قوله تعالى : (ثم رددناه أسفل سافلين ) وأسفل سافلين : النار على الصحيح ، أو هو سجين موضع الفجار، كما أن عليين موضع الأبرار .
ورددناه : معناه ونرده ، فعبر بالماضي موضع المضارع المستقبل ، إيذانا بأن الرد أسفل سافلين واقع لا محالة ، وتشبيها للمستقبل المحقق وقوعه ، بالماضي الواقع فعلا .
ج : - وعد حسن ، وهو قوله تعالى : (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) [171] أي: مقطوع . والقسم في هذه السورة أكثر انصبابا على الأمرين الأخيرين ، أي : على الوعد والوعيد
قال المفسرون [172] : - أراد بالتين والزيتون : المكان الذي كثر شجرها فيه ، على سبيل التجوز ، عبر بالحال وهو التين والزيتون ، وأراد المحل ، وهو الأرض المقدسة ، التي ظهر فيها عيسى –عليه السلام- .وقالوا : إن هذا المعنى هو الذي يتناسب مع طور سينين ، ومع البلد الأمين ، والتعبير بالحال عن المحل مألوف في الكلام العربي ، قال تعالى : (وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون )[173] ، أي : ففي جنته التي تحل فيها الرحمة .
وعلى هذا يكون الله قد أقسم على خلق الإنسان وتعذيبه وإثابته بأمكنة ثلاثة ، هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام المعروفة ، أقسم بأرض بيت المقدس مظهر رسوله وكلمته وروحه –عيسى بن مريم- وفيها نزل الإنجيل عليه ، ثم أقسم بالجبل الذي كلم الله موسى عليه تكليما ، وناداه من جانب الطور الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة التي فيه ، أن اذهب إلى فرعون إنه طغى ، ثم أقسم بالبلد الأمين مظهر خاتم الأنبياء والمرسلين ، فتدرج من التين والزيتون ، إلى طور سينين ، إلى بلد الله الأمين ، فختم بموطن الرسالة الخاتمة ، أشرف الرسالات . [174]
أقسم بهذه الأمكنة الثلاثة التي هي مهبط الوحي والرسالة ، على أن ما سيلاقيه من ثواب أو عقاب ، إنما هو نتيجة إيمانه ، أو كفره وطغيانه ، بعد أن أرسل رسلا مبشرين ومنذرين .
وكأنه جل شأنه يقول : ( هأنذا قد أرسلت لكم الرسل ، فأناروا لكم الطريق ، وميزوا لكم الرشد من الغي ، فإن عصيتم فلكم أسفل سافلين ، وإن أطعتم فلكم أجر غير ممنون ) [175]
ويمكننا القول : إن الله تعالى أقسم بالشمس ، والقمر ، والنجوم ، والليل ، والنهار ، والبحر ، والعصر ، والسحاب ، والنفس ، والملائكة ، وغيرها من المخلوقات ، وكلها آيات دالة على قدرته ، ووحدانيته ، وكماله ، وقد ذكرها في مواضع مختلفة من كتابه بغير أسلوب القسم .

المبحث السابع
بلاغة القسم القرآني :
بعد هذا الإيجاز يجدر بنا أن نتعرف على ما في أسلوب القسم من وجوه البلاغة ، لتكتمل النظرة ، وتتم الفكرة .
1- يمتاز أسلوب القسم بإيجازه ، ولهذا يهجم على السامع ، فيمتلك مشاعره ، ولعل العرب أكثروا منه ، وأفتتنوا فيه لوجازته ، وهم إلى الإيجاز أميل في شعرهم ونثرهم ، ومن هنا راجت الأمثال بينهم وشاعت ، وذاعت الحكم والتوقيعات فيما بعد العصر الجاهلي ، وتسابقوا إلى تجديدها ، والاحتفاظ بها .
2- القسم ضرب من الأسلوب الإنشائي ، لا مناص للخصم من الإقرار به ، ولا وجه له في إنكاره ، فإن شاء أن ينكر ، انصب إنكاره على جواب القسم ، لا على القسم نفسه ، لأن الجواب خبر [176] لا إنشاء [177] .
وقد يجمع القرآن الكريم بين القسم والوصف ، كالقسم بالقرآن المجيد واليوم الموعود ، والصافات صفا ، ففي هذا وأشباهه قسم ، ووصف للمقسم به ، ليكون الاستدلال أعظم في النفس وأوقع .
3- قد يحذف جواب القسم في القرآن ، وهو المقسم عليه ، فينتقل بعد القسم إلى كلام آخر ، لكنه مرتبط بالجواب المحذوف . والسر في هذا أنه يسد على المخاطب المنكر طريق الفرار ، فلا ينتقل من القسم وهو إنشاء ، إلى الجواب وهو خبر ، لئلا يجاري المنكر في الجواب ، ثم ليكون القسم كالتمهيد والتنبيه ، فيسترعي سمع المخاطب ، فيرهف أذنيه ليستمع ما بعد القسم ، فإذا به يسمع ما يؤيد الاستدلال المقصود من القسم نفسه ، كقوله تعالى : (ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) [178] ، فأقسم بحرف من حروف الهجاء التي يتكون منها القرآن ، على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز ، وأتبعه بالقسم بالقرآن ، وحذف الجواب لدلالة التحدي عليه ، كأنه قال: والقرآن ذي الذكر إنه كلام معجز ، ولكن الكفار استكبروا ولم يذعنوا إليه ، فعارضوا الرسول وكذبوه .
أو كأنه قال : أقسم بالقرآن ذي الشرف العظيم ، إنك لصادق فيما تبلغ عن ربك ، ولكن الكفار استكبروا ولم يذعنوا للحق ، وأصروا على العناد . أو أقسم بالقرآن أن الأمر ليس كما يزعم هؤلاء الكفار ، بل هم في استكبار ومخالفة ، وعداوة لمحمد .
4- إن من مزايا القسم أنه يسهل الجمع بين عدة أدلة في جملة واحدة ، أو في جمل متلاحقة ، كما في سور: التين ، والبلد ، والطور ، والشمس ، والليل ، والفجر ، مع الإيجاز، ولو أن الأدلة فصلت وبسط فيها القول ، لفقد الكلام روعته وتأثيره .
5- يشرك القسم الإستدلالي السامع في استنباط الدليل ، ويخفف من عناده وخصامه ، فيشعر أنه تعرف وتأمل، ولهذا كانت الأساليب الإنشائية كلها أكثر اجتذابا من الأساليب الخبرية . وهذا هو السبب في أن الحاذق اللبق ينوع أساليبه ، ويراوح بين الإنشاء والخبر ، لينشط المخاطب ، ويشركه في الفهم ، والبحث ، والاستنباط ، حتى ليتوهم أنه هو الذي اهتدى إلى الحق بنفسه .
6- ومن ضروب بلاغة القسم أنه تقديم لتوثيق الصدق قبل ذكر الدعوى، لأنه يقرع أذني المخاطب ، فيصغي ويترقب ما بعده ، ثم تجيء الدعوى فيسهل قياده لها ، ولكنه إذا فوجئ بالدعوى التي ينكرها ، انصرف عنها ونفر منها . وشتان ما بين قولك : (ما أنت بنعمة ربك بمجنون . أقسم بالقلم وما يسطرون) ، وقوله تعالى : (ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) [179]
فسبحان من نفى عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - التهمة قبل حكايتها .




الخاتمة
ظهرت لي من خلال دراستي الموجزة لأسلوب القسم الظاهر في القرآن الكريم ، بعض النتائج ، يمكن تلخيصها في النقاط التالية : -
1-لجأ القرآن الكريم إلى القسم جريا على عادة العرب في توكيد الأخبار ، لتستقر في النفس ، ويتزعزع فيها ما يخالفها ، وإذا كان القسم لا ينجح احيانا في حمل المخاطب على التصديق ، فإنه كثيرا ما يوهن في النفس الفكرة المخالفة ، ويدفع إلى الشك فيها ، ويبعث المرء على التفكير الجاد والقوي فيما ورد القسم من أجله [180].
2 - أقسم الله بجميع مخلوقاته ، شاهدها ومشهودها، ما نبصره وما لا نبصره . على وجوده ووحدانيته ، وقدرته ، ووقوع البعث ، وصدق النبي –صلى الله عليه وسلم- ، ولينبهنا على ما فيها من روعة ، تدفع إلى التفكير في خالقها .
3- إن القسم بالله تعالى مقصود به التقديس ، لأنه الخالق الذي يستوجب التقديس والعبادة ، وما عدا ذلك فالتقديس والتشريف غير لازمين للقسم ، وإن كان المقسم به عظيما في ذاته ، وعظيما عند خالقه .
4 - صوغ الدليل في صورة القسم ، فيه توكيد للمقسم عليه ، وتنبيه للسامع إليه ، وتمهيد له بما يقرره في الذهن .
5 - إن القرآن قد يستعمل أسلوب القسم بغير مقسم به كما جرى في العرف العربي ، نحو قوله تعالى : (أخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين) [181]، ونحو قوله تعالى : (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) [182].
6 - باستقراء آيات الله البينات ، وجدت أن القسم الوارد فيها غالبا ما يكون بالواو ، وأنه لا يكون إلامن الله تعالى في الأعم الأغلب ، فيقسم الله عز وجل بما شاء على ما شاء .
7 _ في إيراد الدليل بصورة القسم ، إيجاز في إيضاح ، أو إيضاح في إيجاز [183].
مصادر ومراجع البحث
1- الإتقان في علوم القرآن : جلال الدين السيوطي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، مكتبة دار التراث ، القاهرة .
2- إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم : لأبي السعود بن محمد العمادي ، ط2 ، دار الفكر ، بيروت .
3- أساس البلاغة : جار الله محمود الزمخشري ، كتاب الشعب ، دار مطابع الشعب ، مصر ، 1960م .
4- أسلوب القسم واجتماعه مع الشرط في رحاب القرآن الكريم : علي أبو القاسم عون منشورات جامعة الفاتح ليبيا ، 1992م.
5- إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم : الحسين بن أحمد المعروف بابن خالويه ، المكتبة الثقافية ، بيروت .
6- أمالي ابن الشجري : هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الحسني العلوي ، تحقيق ودراسة : د. محمود محمد الطناحي ، مكتبة الخانجي ، القاهرة .
7- إمعان في أقسام القرآن : المعلم عبد الحميد الفراهي ، المطبعة السلفية ، القاهرة ، 1349هـ .
8- إملاء ما من به الرحمن في وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن : لأبي البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري ، على هامش( الفتوحات الإلهية )، دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
9- أنوارالتنزيل وأسرار التأويل : القاضي ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر الشيرازي البيضاوي ، بهامش حاشية الشهاب الخفاجي ، دار صادر ، بيروت .
10- أيمان العرب في الجاهلية : أبو اسحاق بن عبد الله النجيرمي، تحقيق :محب الدين الخطيب ، ط2 ، الدار السلفية بالقاهرة .
11- أيام العرب في الجاهلية :محمد أحمد جاد المولى وزملاؤه ، المكتبة العصرية ، صيدا ، بيروت .
12- البحر المحيط : محمد بن يوسف بن حيان الغرناطي الأندلسي ، مطبعة السعادة ، مصر ، 1329هـ .
13- البلاغة فنونها وأفنانها : أ .د. فضل حسن عباس ، ط2 ، دار الفرقان ، عمان .
14- البيان والتبيين : لأبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ ، تحقيق حسن السندوبي المكتبة التجارية الكبرى ، ط2 ، 1932م ،
15- التبيان في أقسام القرآن : شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية ، تصحيح محمد حامد الفقي ، ط1 ، مطبعةحجازي بالقاهرة ، سنة ا933م .
16- التعريفات : علي بن محمد الشريف الجرجاني ، مكتبة لبنان ، بيروت .
17- التفسير البياني للقرآن الكريم : د . عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ ) ، ج1، ط7 ، دار المعارف ، القاهرة .
18- تفسير سورة النجم : دراسة تحليلية وموضوعية ، د. عبد ربه فرحات البدراوي ، دار الاسلام للطباعة والنشر ، المنصورة ، 1415هـ - 1994م .
19- تفسير القرآن العظيم : أبو الفداء اسماعيل بن كثير ، ط المنار ، بالقاهرة ، سنة 1347هـ.
20- التفسير الكبير : ( مفاتيح الغيب ) : محمد فخر الدين الرازي ، ط3 ، دار إحياء التراث العربي بيروت .
21- التفسير الوسيط للقرآن الكريم : د. محمد السيد طنطاوي ، مطبعة السعادة ، القاهرة ،
1406 هـ – 1985م.
22- الجامع لأحكام القرآن : لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
23- حاشية الشهاب المسماة : عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ، دار صادر ، بيروت .
24- خصوصية المعنى لألفاظ القرآن الكريم : محمود سليم محمد هياجنة ، ط1 ، اربد ،المملكة الأردنية الهاشمية .
25- ديوان ابن قيس الرقيات ، ط ، دار بيروت للطباعة والنشر .
26- ديوان امرئ القيس : صنعه حسن السندوبي ، المطبعة الرحمانية بمصر ، سنة 1930م.
27- ديوان لبيد بن ربيعة العامري : دار صادر ، بيروت .
28- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني : شهاب الدين محمود الآلوسي ، دار الفكر ، بيروت.
29- شرح المفصل : موفق الدين يعيش بن علي بن يعيش النحوي ، إدارة الطباعة المنيرية .
30- الصحاح في اللغة والعلوم : تجديد صحاح الجوهري ، طباعة دار الحضارة العربية ، بيروت .
31- صحيح مسلم بشرح الإمام النووي : مؤسسة مناهل العرفان ، بيروت .
32- الفتوحات الإلهية ، بتوضيح تفسير الحلالين : سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه ، القاهرة .
33- الفروق اللغوية وأثرها في تفسير القرآن الكريم : د. محمد بن عبد الرحمن بن صالح الشايع ، ط1 ، مكتبة العبيكان ، الرياض .
34- القاموس المحيط : مجد الدين بن يعقوب الفيروزآبادي ، ط2 ، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي ، بمصر .
35- الكتاب : لأبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر سيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون ، ط1 ، دار الجيل ، بيروت .
36- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل : جار الله محمود الزمخشري ، ط1، دار الفكر ، بيروت .
37- الكشف والبيان في علوم القرآن ، د. سمير عبد العزيز شيلوة ، مطبعة دار البيان بمصر .
38- لسان العرب : جمال الدين محمد ( ابن منظور ) ، عني بتصحيحها أمين محمد عبدالوهاب وزميله ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
39- لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادةفي القرآن : أ . د. فضل حسن عباس ، ط1 ، دار النور ، بيروت
40- لغة القرآن الكريم : د. عبد الجليل عبد الرحيم ، مكتبة الرسالة الحديثة ، عمان ، ط1، 1981م
41- مباحث إسلامية ، للعلامةطه الراوي ، جمع تحقيق حارث طه الراوي ، مطبعة أسعد ، بغداد ، 1982م .
42- مباحث في علوم القرآن : مناع القطان ، ط3 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت .
43- المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها : لأبي الفتح عثمان بن جني، ( الجزءالأول ) تحقيق علي النجدي ناصف ، وعبد الحليم النجار ، وعبد الفتاح شلبي ، القاهرة ، 1386هـ، و( الجزء الثاني ) : تحقيق علي النجدي ناصف ، وعبد الفتاح شلبي ، القاهرة ، سنة 1389هـ .
44- مختار الصحاح : محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي ، عني بترتيبه محمود خاطر بك ، المطبعة الأميرية ، بالقاهرة ، سنة 1340هـ - 1922م .
45- المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات : لأبي علي الفارسي تحقيق ودراسةصلاح الدين عبد الله الشيكاوي ، مطبعة العاني، بغداد .
46- المسند : عبد الله بن الزبير الحميدي ، تحقيق : حبيب الرحمن الأعظمي ، عالم الكتب ، بيروت .
47- معاني القرآن : لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء ، ( الجزء الأول ) : تحقيق أحمد يوسف نجاتي ، وزميله ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ط2 ، 1980م. و( الثاني والثالث ) عالم الكتب ، ببيروت ط2 ، سنة 1980 م .
48- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب : جمال الدين بن هشام الأنصاري ، تحقيق مازن المبارك وزملاؤه ، ط6 ، دار الفكر ، بيروت .
49- مفردات ألفاظ القرآن : الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني ، تحقيق صفوان عدنان داوودي ، ط1 ، سنة 1416هـ- 1996م . بيروت .
50- من بلاغة القرآن : أحمد أحمد بدوي ، مطبعة نهضة مصر ، القاهرة ،1950م، ص 170 .
51- اليمين والآثار المترتبة عليه : د. أبو اليقظان عطية الجبوري ، ط2، 1986م ، دار النهضة الجديدة ، بيروت .
52- محاضرة للأستاذ عمر أبو النصر بنادي دار العلوم، في يوليو سنة 1943م ، ونشرتها صحيفة دار العلوم في سبتمبر 1943م .
53- مقال د. أحمد الحوفي : أساليب القسم في اللغة والقرآن الكريم ، نشرته مجلة الأزهر .
ولدي صورة عنه ، إلا أنني أنسيت حين صورته أن أكتب رقم العدد وسنة صدوره .
[1] - سورة الأنبياء : آية / 57.
[2] - سورة فاطر : آية /42.
[3] - سورة آل عمران : آية / 186 .
[4] - سورة مريم : آية/ 71
[5] - سورة مريم : الآيات : 68 ، 69 ، 70.

[6] - انظر مادة ( قسم ) في لسان العرب لابن منظور ، والقاموس المحيط : للفيروزآبادي ط2.
[7] - ديوان لبيد بن ربيعة العامري ، ص 131 . وقوله : أمك هابل : دعاء عليه كقوله : تكلتك أمك ، انظر : ابن منظور : لسان العرب : ج15 / ص 20 .
[8] - سورة الذاريات : آية / 4 .
[9] - سورة الأعراف : آية /21.
[10] - سورة الحجر : آية /90.
[11] -انظر أقوال المفسرين في الآية في تفسير : شهاب الدين محمود الآلوسي: روح المعاني ، ج14/ ص80-84 .
[12] - سورة النمل : آية / 51 .
[13] - الراغب الأصفهاني : مفردات ألفاظ القرآن ، ص 670 .وانظر د. أبو اليقظان عطية الجبوري : اليمين والآثار المترتبة عليه ، ص 192-193 .
[14] - الفيروز آبادي : القاموس المحيط ، ج4 / ص 166 . و علي أبو القاسم عون : أسلوب القسم واجتماعه مع الشرط ، ص 31- 34 ، ( بتصرف ). و د. سمير عبد العزيز شيلوة : الكشف والبيان في علوم القرآن ، ص 281 وما بعدها .
[15] - انظر مادة ( يمن ) في الصحاح ، والقاموس المحيط ، ولسان العرب ، والتعريفات : للجرجاني ، ص 28 .
[16] - سورة المائدة : جزء من الآية / 89 .
[17] - محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي : مختار الصحاح : ص 745 .
[18] - أبو اسحق ابراهيم بن عبد الله النجيرمي ، أيمان العرب في الجاهلية ،ص 34 .
[19] - ابن منظور : لسان العرب ، والفيروز آبادي : القاموس المحيط _ ( مادة : حلف ) .
[20] - الإمام عبد الله بن الزبير الحميدي : المسند ، ج2/ ص 507 ، حديث رقم ( 1205) .
[21] - سورة القلم : آية / 10 .
[22] - أخرجه الامام مسلم في صحيحه : ج2 / ص 23 ، كتاب الأيمان ، من حديث أبي هريرة .
[23]- ابراهيم بن عبد الله النجيرمي : أيمان العرب في الجاهلية ( مرجع سابق ) ص 34 .
[24] - علي أبو القاسم عون : أسلوب القسم واجتماعه مع الشرط ( مرجع سابق ) ص 36-37 .
[25] - جارالله الزمخشري : أساس البلاغة ، كتاب الشعب ، ص192،.
[26] - انظر سورة المائدة / 89 ، والنساء / 62 ، والتوبة / 42، 56 ، 62 ، 74 ، 95 ، 96 ، 107 ، والمجادلة / 14 ، 18 ، والقلم / 10 .
[27] -سورة القلم / آية 10 .
[28] - سورة المائدة : آية / 89 .
[29] - سورة المجادلة : آية / 14 .
[30] - الفيروزآبادي : القاموس المحيط ، ج4/ ص 164.
[31]- سورة الواقعة : آية / 76 .
[32]- انظر الآيات : في سورة المائدة : آية / 53 ، وسورة الأنعام : آية/ 109 ، وسورة النحل : آية / 38 ، وسورة النور : آية/ 53 ، وسورة فاطر : آية / 42 .
[33] -بنت الشاطئ ( عائشة عبد الرحمن ) : التفسير البياني للقرآن الكريم ، ط7 ، ج1 / ص 166-168 .
[34] - محمد بن عبد الرحمن بن صالح الشايع : الفروق اللغوية ، ص 238- 243 . ومحمود سليم : خصوصية المعنى لألفاظ القرآن الكريم ، ص 115-120 .
[35] - انظر : الزركشي : البرهان ، ج3 / ص 41.
[36] - سورة آل عمران : آية /18
[37] - سورة يونس : آية /53.
[38] - د. سمير عبد العزيز شيلوة : الكشف والبيان ( مرجع سابق ) ص 289- 290 .
[39] - سورة الذاريات : الآيتان : 22، 23 .
[40] - شهاب الدين محمود الآلوسي : روح المعاني ، ج27 ، ص 10-11 .
[41] - _ سورة يونس : آية /101.
[42] - – سورة الأعراف : آية /185
[43] - – سورة آل عمران : آية /191.
[44] -– سورة الشمس : آية /7.
[45] - – سورة الليل : آية /3.
[46] - انظر : د. سمير عبد العزيز شيلوة : الكشف والبيان ، ص 293 . ود. عبد ربه فرحات : تفسير سورة النجم ، دراسة تحليلية ، موضوعية ، ص 43-44.
[47] - سورة التكاثر : آية /5.
[48] - سورة صّ : آية/1.
[49] - سورة ق :آية/1.
[50] - سيبويه : الكتاب ،تحقيق : عبد السلام هارون ، ج3/ ص496 وما بعدها .
[51] - انظر : ابن يعيش : شرح المفصل : ج8/ ص 33- 34 ، وج9 / ص 99- 101 .
[52] - انظر معاني الباء في : ابن هشام : المغني ، ص 143 ، وانظر المرجع السابق : ص137-151 .
[53] - سورة النحل : آية / 38 .
[54] - سورة الأعراف : آية / 15 .
[55] - سورة النمل : آية / 51.
[56] - عبد الله بن قيس الرقيات : ديوانه ، ص 137 .
[57] - سورة يس : آية / 2 .
[58] سورة التين : آية / 1 .
[59] - ابن هشام : المغني : ص473 ، وانظر المرجع السابق : 463-482 .
[60]- ابن هشام : المغني ، ص 157 .
[61] - سورة الأنبياء : آية / 157 .
[62] - الزمخشري : تفسير الكشاف ، ج2/ ص 576 .
[63] - سورة النساء : آية /65.
[64] -سورة الحاقة : الآيتان / 38 ، 39
[65] - سورة المعارج : آية /40.
[66] -سورة الواقعة : آية /75.
[67] - سورة التكوير : الآيتان /15، 16.
[68] - سورة الانشقاق : آية /16.
[69] –سورة القيامة : الآيتان /1، 2 .
[70] - سورة البلد: آية /1.
[71] - الفخر الرازي : التفسير الكبير ، الطبعة الثالثة ، ج29/ ص 215 .
[72] - سورة النساء : آية /65.
[73] -سورة الحديد : آية /29.
[74] - الزمخشري : الكشاف: ج1 / ص538 .
[75] - أبو السعود بن محمد العمادي : تفسير أبي السعود ( تفسير سورة الواقعة) ،ج5/ ص 267 .
[76] - الفخر الرازي : التفسير الكبير ، ( مرجع سابق ) ج29 / ص 215 ، ( تفسير سورة القيامة )
[77] - انظر تعليق _ ابن المنير- على تفسير الزمخشري للآية / 65 في سورة النساء ، ج1/ ص 538-539 . .
[78]- سورة الواقعة : آية /76.
[79] -ابن خالويه ( أبو عبد الله الحسين بن أحمد ): إعراب ثلاثين سورة من القرآن ،ص 87 .
[80] - أبو علي الفارسي : المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات ، ص 571 .
[81] - سورة الحديد : آية /58
[82]- الزمخشري : تفسير الكشاف ، ج4 / ص 58 .
[83] - ديوان امرئ القيس ، صنعه: حسن السندوبي ، ص 52 ، والقوم هنا : بنو تميم . أفر : أنهزم . وقد جعل بعض الرواةهذا البيت أول القصيدة . وابنة العامري هي : هر بنت سلامة بن علند .
[84] - الزمخشري : تفسير الكشاف ،( مرجع سابق) ج4/ ص189 ( تفسير سورة القيامة ) . وانظر د. فضل حسن عباس : لطائف المنان ، ص 243 .
[85] - سورة القيامة :آية /1 .
[86] - جمال الدين ابن هشام الأنصاري : مغني اللبيب ، ص 328-329 .
[87] - ابن يعيش : شرح المفصل : ج8 ص 136 . .
[88] - أمالي ابن الشجري : ج1/ ص 219 ، 222 .
[89] - سورة الواقعة : آية / 75 .
[90] -سورة الواقعة : الآيتان / 77 ، 78.
[91] - سورة البلد : آية /1
[92] - سورة البلد :آية /4.
[93] - سورة القيامة : آية / 1.
[94] - القرطبي : أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن ،ج19/ ص60 .
[95] - الفراء : معاني القرآن : ج3/ ص207 . وأمالي ابن الشجري ، ج2/ ص 207 . وقد نقل ابن الشجري هذا الرأي عن أبي علي الفارسي .
[96] - ابو حيان : البحر المحيط ، ج8 / ص 213 .
[97] - ذكر الجاحظ القصة المشهورة عن أبي بكر ، قال : ومر رجل بأبي بكر – رضي الله تعالى عنه ومعه ثوب ، فقال : أتبيع الثوب ؟ فقال : لا عافاك الله ، فقال أبو بكر : لقد علمتم لو كنتم تعلمون ، قل : لا وعافاك الله . انظر : الجاحظ : البيان والتبيين : ج1/ ص279 .
[98] - سورة القيامة : الآيتان / 1، 2.
[99] - سورة القيامة : آية / 2 .
[100] - الفراء : معاني القرآن ، ج3/ ص 207
[101] - ابن جني : المحتسب : ج1/ ص 341 .
[102] - سورة القيامة : آية / 1 .
[103] - ابن جني : المحتسب ، ج2/ ص 341 .
[104] - الزمخشري :الكشاف ، ( تفسير سورة الواقعة ) ج4/ ص58 .
[105] - سورة النحل : آية /154
[106] -العكبري : أبو البقاء عبد الله بن الحسين : إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن ، على هامش الفتوحات الإلهية . ج4/ ص 432 .
[107] - سورة الحاقة : الآيتان / 38 ، 39 .
[108] - سورة الواقعة : الآيات / 75، 76، 77.
[109] - انظر : د. سمير شيلوة : الكشف والبيان ، ص 304- 316 . ( بتصرف واختصار . )
[110] - سورة النساء : آية / 65 .
[111] - سورة الحجر : الآيتان / 92، 93 .
[112] - سورة مريم : آية / 68 .
[113] - سورة الذاريات : آية / 23 .
[114] - سورة المعارج : الآيتان / 40 ، 41 .
[115] - سورة يونس : آية / 53 .
[116] - سورة التغابن : آية / 7 .
[117]-سورة الصافات : الآيات/1، 2 ، 3 ، 4 .
[118] - –سورة الواقعة :الآيات /75، 76 ، 77 .
[119] - سورة يس : الآيات /1 ، 2 ، 3 .
[120] - سورة الطور : الآيات /1، 2 ، 3 ، 4 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8 .
[121] - سورة الليل الآيات /1 ، 2 ، 3 ، 4 . .وانظر ابن قيم الجوزية : التبيان في أقسام القرآن ، ص 4 – 8 .
[122] - عبد الحميد الفراهي : إمعان في أقسام القرآن ،ص 4. ( بتصرف ) .
[123] - الإمام مسلم : صحيح مسلم : كتاب الأيمان ، ج11 / ص 104- 107 .
[124] - انظر : الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، ج3/ ص 41 .
[125] - سورة الحجر : آية /72.
[126] - سورة فصلت : آية /37.
[127] - ابن يعيش : موفق الدين يعيش بن علي: شرح المفصل ،ج9/ ص 90 .
[128] - ابن القيم : التبيان في أقسام القرآن ، ( مرجع سابق ) ص 2 .
[129] - انظر : د. عبد الجليل عبد الرحيم : لغة القرآن الكريم ، ص 265.
[130] - سورة الحجر : آية / 72.
[131] - السيوطي : الاتقات ، ج2 / ص 170 .
[132] - الامام مسلم : صحيح مسلم بشرح النووي ، كتاب الايمان ، ج2/ ص 20 .
[133] - أبو اليقظان عطية الجبوري : اليمين والآثار المترتبة عليه . ص52-55.
[134] - عبد الحميد الفراهي : إمعان في أقسام القرآن ( مرجع سابق ) ص 35 . وانظر القصةكاملة في الأغاني : لأبي الفرج الأصفهاني ج5/ ص61 . ومحمد أحمد جاد المولى : أيام العرب في الجاهلية ، وزملاؤه . ص 142-168 .
[135] - سورة الدخان : آية / 49 .
[136] - عبد الحميد الفراهي : إمعان في أقسام القرآن ( مرجع سابق ) ص 35 . ( بتصرف ) . والقاع : المستوي من الأرض . والقرقر: الأملس الذي لا حجارة فيه . انظر : الرازي : مختار الصحاح ، ص 556. وابن منظور : لسان العرب ج11 / ص 128 .
[137] - سورة الذاريات : الآيات /1-6 .
[138] - الفخر الرازي :التفسير الكبير ( مرجع سابق ) ط3، تفيسر سورة الذاريات ص193-196.
[139] - سورة الذاريات : آية /21.
[140] - سورة الذاريات :الآيات /20، 21 ، 22 ، 23 .
[141] - سورة الضحى : الآيات : 1، 2 ، 3 .
[142] - السيوطي : الإتقان في علوم القرآن ، ج4/ ص51.
[143] - السيوطي : الإتقان في علوم القرآن ، ( مرجع سابق ) ج2/ 132 .
[144] - سورة القيامة : الآيات /1 ، 2 ، 3 ، 4 .
[145] - مناع القطان : مباحث في علوم القرآن ، ص 291 .
[146] - انظر : د. عبد الجليل عبد الرحيم : لغة القرآن الكريم ، ص 267 .
[147] - سورة يونس : آية /53 .
[148] - سورة سبأ : آية /3 .
[149] - انظر : د. عبد الجليل عبد الرحيم : لغة القرآن الكريم ، ص 267.
[150] -د. سمير عبد العزيز : الكشف والبيان في علوم القرآن ، ص285-287. بتصرف واختصار . وانظر : د. عبد الجليل عبد الرحيم : لغة القرآن الكريم ، ص 268 . و أحمد أحمدبدوي : من بلاغة القرآن ، ص 170-173.

[151] - سورة الصافات : الآيات /1 ، 2 ، 3 ، 4 .
[152]- طه الراوي : مباحث إسلامية ( مرجع سابق ) ص 13 .
[153] - سورة الصافات : الآيتان ، 165، 166 .
[154] - الإمام مسلم : صحيح مسلم ، كتاب المساجد ، ج2، ص 63.
[155] - انظر الآلوسي :روح المعاني ، ج23/ ص64. ود.محمد السيد الطنطاوي:التفسير الوسيط ج22/ ص82.
[156] - سورة يس : الآيات /1، 2 ، 3 .
[157] - الفخر الرازي : التفسير الكبير ( مرجع سابق ) تفسير سورة الذاريات ، ج27 / ص194 .
[158] - سورة الذاريات : الآيتان / 7، 8 .
[159] - الزمخشري : الكشاف ( مرجع سابق ) ، ج4 / ص 14 .
[160] - يريد بيان مناسبة المقسم به هنا ، وهو قوله : والسماء .. الآية ، للمقسم عليه ، وهو قوله : إنكم .. الآية . انظر : حاشية الشهاب : ج8/ ص 95.
[161] - تفسير البيضاوي ( أنوار التنزيل وأسرار التأويل ) : بهامش حاشية الشهاب ، ج8/ ص 95 .
[162] - سورة النجم : الآيات /1-5.
[163] - حاشية الشهاب(عناية القاضي وكفاية الراضي ) : وبهامشها تفسير البيضاوي ( مرجع سابق ) ج8/ ص109 .
[164] - سورة النحل : آية / 16 .
[165]- انظر : الشهاب الخفاجي : حاشية الشهاب ( مرجع سابق ) : ج8 / ص 109- 110 و سليمان بن عمر الشهير بالجمل : الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية : ج4 / ص 222- 223 .
[166] -سورة الذاريات :الآيات /1، 2 ، 3 ، 4 ، 5 ، 6 .
[167] - الفخر الرازي : التفسير الكبير ( مرجع سابق ) ج27/ ص 195 .
[168] - سورة الروم الآيات /48، 49 ، 50 .
[169] - انظر : سليمان بن عمر : الفتوحات الإلهية ، ج4 / ص 201 .
[170] - سورة التين : الآيات /1، 2 ، 3 ، 4 ، 5 ، 6.
[171] - سورة التين : آية / 6 .
[172] - انظر : الألوسي ( مرجع سابق ) : روح المعاني ، ج30/ ص 221-223. و اسماعيل بن كثير : تفسير القرآن العظيم ، ج4 / ص 526 .
[173] - سورة آل عمران : آية /107.
[174] - انظر : د. فاضل السامرائي : التعبير القرآني ، ص 299-309 .
[175] - ابن قيم الجوزية : التبيان في أقسام القرآن ، ( مرجع سابق ) ص43-54.
[176] - الخبر : هو ما احتمل الصدق والكذب لذاته ، أي : لذات الخبر نفسه . وهذا بالطبع يخرج ما كان صادقا قطعا ، وما كان كاذبا قطعا . انظر : فضل حسن عباس : البلاغة فنونها وأفنانها ، مبحث الخبر ، ص99 وما بعدها .
[177] - الإنشاء : ما لا يحتمل صدقا ولا كذبا . وهو قسمان : طلبي ، وغير طلبي . انظر : فضل حسن عباس : البلاغة فنونها وأفنانها ، ( مرجع سابق ) مبحث الإنشاء ، ص147 وما بعدها .
[178] - سورة ص : الآيتان /1، 2 .
[179] - سورة القلم : الآيتان /1، 2 .
[180] - انظر : أحمد أحمد بدوي : من بلاغة القرآن ، ص 170 .
[181] - سورة الأعراف : آية /18 .
[182] - سورة المجادلة آية /21 .
[183] - انظر محاضرة الأستاذ عمر أبو النصر بنادي دار العلوم – جامعة القاهرة ، في ( 5 يوليو عام 1943 م ) . ونشرت في مجلة دار العلوم بمصر في شهر سبتمبر من نفس العام . ( بتصرف واختصار ) .

‏هناك تعليق واحد:

مدوّنة إبراهيم عرفات يقول...

أخي العزيز عمر خطّاب:
تحياتي؛

اليوم أثناء تجوالي في موقع الجوجل للكتب والذي للأسف لا يتاح لمن يقيمون خارج الولايات المتحدة كتاب يقارب اسمه ذلك الكتاب الذي كنت تبحث عنه.. وأتساءل: يا ترى هل هو الكتاب بعينه أم أنك تريد كتاب آخر؟ عمومًا، الكتاب الموجود على الجوجل يحمل البيانات الآتية:
Title Mukhtaṣar al-Dusūqī ʻalá Mukhtaṣar al-Maʻānī
Author ʻAlī ibn ʻUthmān Aqshahrī
Publisher Dār al-Ṣināʻah al-ʻĀmirah, 1871
Original from Princeton University
وقد سرني أن أرفعه لأجلك على الرابط التالي في موقع الفورشيرد (وهو هناك بشكل مؤقت إلى حين أتأكد أنك قمت بتحميله).

http://www.4shared.com/file/170643850/8b53f284/____.html

هل هو الكتاب أم أنه كتاب آخر يحمل عنوان مشابه؟